العملات الرقمية تثير نزاعات قانونية في قضايا الطلاق وتكشف ثغرات الإفصاح المالي
يؤكد محامون أنهم يواجهون صعوبات متزايدة في التعامل مع الأزواج المطلقين الذين يخفون ممتلكاتهم من العملات الرقمية، خصوصا عند محاولة المحاكم تقسيم الأصول المالية ضمن إجراءات الطلاق، ما يزيد من تعقيد التسويات ويطيل أمد النزاعات القضائية.
ويتعين على الزوجين المطلقين في إنجلترا وويلز تعبئة النموذج (E)، الذي يفرض «إفصاحا كاملا وصريحا وواضحا عن جميع الظروف المالية وغيرها من الظروف ذات الصلة». إلا أنه لا يوجد قسم مخصص في النموذج للإفصاح عن الأصول الرقمية، حيث يفترض إدراجها ضمن بند «الأصول الأخرى»، بحسب ما يوضحه المحامون.
ويقول الشريك في مكتب المحاماة «ويذرز»، أليكس بريدون، إنه شهد حالات تم فيها الكشف عن أصول رقمية بقيمة ملايين الجنيهات الاسترلينية، بعد الاشتباه بإخفائها خلال إجراءات التقاضي.
وأضاف، في تصريحات لصحيفة «فايننشال تايمز»، أنه في حال اشتباه أحد الزوجين بإخفاء أصول رقمية، فإن «أفضل السبل» للتحقق تتمثل في مراجعة كشوف الحسابات المصرفية، وسجلات معاملات العملات الرقمية العامة، إضافة إلى اللجوء إلى الفحص الجنائي للأجهزة المادية عند الضرورة.
وقال أحد محامي قضايا الأسرة، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لمناقشة قضية تولاها، إن زوجة موكله اشتبهت في أن زوجها أخفى بعض الأصول الرقمية، بناء على ملاحظات مكتوبة بخط اليد عثرت عليها وتضمنت أرقامًا طويلة ومؤشرات مالية غير واضحة.
وحصلت الزوجة على أوامر قضائية تُلزم بالإفصاح عن الأصول وتجميدها ضد الزوج والمنصة التي يتعامل معها في تداول العملات الرقمية، ما أجبره لاحقًا على الكشف عن امتلاكه لهذه الأصول بالفعل.
وقال محاميه إن موكله برّر عدم الإفصاح عنها بأنها «أصول قديمة ولم تُجرَ عليها معاملات تُذكر»، مضيفًا أن قيمتها لم تكن مرتفعة، إلا أن القاعدة القانونية تقتضي «الإفصاح عن جميع الأصول دون استثناء».
وقال الشريك الأقدم في مكتب «بورغيس مي» للمحاماة، بيتر بورغيس، إن العملات الرقمية تمثل مظهرًا حديثًا لمشكلة قديمة تتعلق بالسرية وإخفاء الثروات، موضحًا: «في السابق، كان بعض الأشخاص يودعون أموالهم في صناديق استئمانية أو شركات خارجية، وما زال هذا الأمر قائمًا، لكننا نلاحظ بشكل متزايد لجوء البعض إلى العملات الرقمية لتحقيق الغرض نفسه».
وأضاف: «خلال السنوات العشر القادمة، سنشهد ازديادًا ملحوظًا في هذه القضايا»، مرجعًا ذلك إلى الانتشار الواسع للعملات الرقمية بين الأجيال الشابة واعتمادها المتزايد كأداة استثمارية.
وقال المحامي البارز في مكتب «تشارلز راسل سبيتشليز» للمحاماة، مات فوستر، إن المشكلة لا تقتصر على إخفاء العملات الرقمية فحسب، بل تشمل أيضًا حالة الشك نفسها حول احتمال إخفائها.
وأضاف: «يبدو من الحتمي أن قضايا عدم الإفصاح أو إخفاء العملات الرقمية ستستمر في التزايد داخل نزاعات الطلاق، سواء كان ذلك فعلًا حقيقيًا أو مجرد اعتقاد لدى أحد الزوجين السابقين».
وأشار محامون إلى أن العملات الرقمية أصبحت أيضًا قضية مطروحة في مرحلة لاحقة من الحياة الزوجية، خاصة عند رغبة المخطوبين في توقيع اتفاقية ما قبل الزواج، إذ إن عدم الإفصاح عن الأصول المهمة، بما في ذلك حيازات العملات الرقمية، قد يؤدي إلى إبطال الاتفاقية أو الطعن في صحتها.
وأوضح فوستر أن المحامين باتوا أكثر إلمامًا بالعملات الرقمية، من خلال حضور الندوات المتخصصة وتطوير خبراتهم في هذا المجال.
وعند الحاجة، يستعين المحامون بمحاسبين جنائيين لفحص الحسابات المصرفية والأجهزة الرقمية بدقة، إلا أنه أشار إلى أن هذه الإجراءات غالبًا ما تكون «باهظة التكلفة»، ولا يُلجأ إليها إلا في القضايا ذات القيم المالية المرتفعة.
وقال الشريك في شركة «هيوز فاولر كاروثرز»، مارك هاربر، إن طبيعة العملات المشفرة بحد ذاتها تُشكّل معضلة قانونية أمام شركات المحاماة، موضحًا: «ما لم تكن على دراية تامة بها، يصعب تتبعها، ويصعب فرض الإفصاح عنها، ويصعب الحصول على أمر تجميد بشأنها، ويصعب أيضًا إنفاذ الأحكام المتعلقة بها».
ويسلط تقرير لموقع «ذا بلوك» الضوء على كيفية الاستدلال على إخفاء الأصول الرقمية المشفرة في حالات التسوية عند الطلاق.
ويشير الموقع إلى أنه مع تزايد استخدام العملات الرقمية، يواجه محامو قضايا الأسرة تحديات متصاعدة في الكشف عن هذه الأصول، وتقييمها، وتقسيمها في النزاعات الزوجية المتنازع عليها.
وما كان يُعدّ في السابق فئة أصول متخصصة، أصبح اليوم أحد أكثر عناصر التركة الزوجية تعقيدًا، وربما الأكبر من حيث التأثير المالي والقانوني.
ويقول الشريك في شركة «جوزيف غرينوالد ولايك»، كريستوفر آر. كاستيلانو، لموقع «ذا بلوك»، إن اتفاقيات ما قبل الزواج وما بعده الحديثة تتضمن بشكل متزايد بنودًا تُعرّف العملات الرقمية كملكية خاصة أو مشتركة، وتحدد آليات التقييم، وتوضح شروط التقسيم في حال وقوع الطلاق.
ومع ذلك، تشمل بعض المؤشرات الشائعة التي قد تدل على إخفاء أحد الزوجين لأموال، عمليات سحب نقدي غير مبررة، أو اهتمامًا مفاجئًا بالتكنولوجيا، أو الإشارة إلى تطبيقات ومنصات ومحافظ للعملات الرقمية دون تقديم معلومات إضافية.
وردًا على سؤال حول ما إذا كان قد لاحظ زيادة في عدد الحالات التي يتم فيها إخفاء الثروات عبر العملات المشفرة في نزاعات الطلاق، قال كاستيلانو إن محاولات الإخفاء الواسعة ليست شائعة، لكن «الاستخدام السري لأموال الزواج في شراء العملات المشفرة أو إخفاء مكاسبها أصبح أكثر انتشارًا».
وأوضح أن التحدي الأكبر يتمثل في تحديد الأصول في وقت واحد، مع تقييم قيمتها بشكل موثوق، في ظل تزامن ذلك مع ازدهار سوق العملات الرقمية وتعدد فئات الأصول في قضايا الطلاق.
وأضاف: «لا يمكن الاعتماد على قيمة العملات الرقمية وحدها نظرًا لتقلباتها الشديدة، لكن المحكمة عادة ما تأخذ في الاعتبار القيمة المحددة من الطرفين لأصل معين أو قيمته في تاريخ المحاكمة».
ويُشكل استخدام العديد من المشاركين في سوق العملات الرقمية لأسماء مستعارة تحديًا إضافيًا، لا سيما عند التعامل مع منصات تداول مباشرة غير معتمدة على آليات التحقق من الهوية (KYC)، بدلًا من المنصات المركزية التي تفرض إجراءات تعريف واضحة.
ومع ذلك، يمكن للمحاكم إصدار أوامر كشف أدلة تُلزم بالإفصاح الكامل عن البيانات المالية في حال عدم تقديم المستندات المطلوبة، كما أوضح كاستيلانو، مشيرًا إلى أن ذلك ينطبق حتى عند استخدام أسماء مستعارة أو منصات لا تعتمد على التحقق من الهوية.