مسؤول فرنسي سابق: تصاعد الهجمات الرقمية يهدد السيادة الاقتصادية والأمن القومي
حذر خبير فرنسي في الأمن السيبراني من هشاشة الأمن الرقمي في فرنسا، بعد تعرض شركة «ريغلو موبايل» الفرنسية لهجوم إلكتروني استهدف أحد مزودي خدماتها.
وأدى الهجوم إلى تسريب كمية كبيرة من البيانات الشخصية لعملاء الشركة، من بينها معلومات مصرفية جزئية.
وأوضحت «ريغلو موبايل» المشغل منخفض التكلفة التابع لمجموعة «إي. ليكليرك»، في بيان منشور على موقعها أنها أُبلغت بأن أحد المتعاقدين معها كان هدفًا لهجوم معلوماتي بدأ منذ 13 فبراير/شباط الجاري.
وكما يحدث في كثير من الحالات، ركّز القراصنة على الحلقة الأضعف في سلسلة الحماية، أي مزود الخدمة الخارجي، الذي غالبًا ما تكون دفاعاته أقل صلابة من الشركة الرئيسية المستهدفة.
وقال المدير العام السابق للوكالة الوطنية لأمن نظم المعلومات في فرنسا، جيوم بوبار، في تصريحات خاصة لـ«العين الإخبارية»، إن تزايد الهجمات على الشركات الفرنسية — خصوصًا في قطاعات الاتصالات والخدمات الرقمية — لم يعد مجرد تهديد تقني، بل أصبح مسألة سيادة اقتصادية وأمنًا قوميًّا.
وأكد بوبار أن استهداف مزودي الخدمات الفرعيين يعكس تحولًا استراتيجيًا لدى القراصنة نحو «أضعف حلقة في سلسلة القيمة الرقمية». وأشار في مداخلاته العلنية إلى أن الاقتصاد الرقمي الفرنسي بات أكثر انكشافًا بسبب تشابك سلاسل التوريد الرقمية، إذ يمكن لاختراق محدود لدى مزود تقني صغير أن يتحول إلى أزمة واسعة تمس ملايين المستخدمين.
كما حذّر من أن تسريب بيانات جزئية — حتى وإن كانت محجوبة — يمثل مادة خام لحملات تصيّد متطورة وهجمات «الهندسة الاجتماعية». واعتبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في سرقة الأموال مباشرة، بل في استغلال الثقة الرقمية للمستهلكين وتقويضها.
وأكد بوبار أن المواجهة لا تقتصر على تعزيز الجدران النارية وأنظمة الحماية، بل تتطلب رفع مستوى الحوكمة الرقمية داخل الشركات، وفرض معايير أمنية صارمة على المتعاقدين، وتعزيز الثقافة السيبرانية لدى المواطنين، واعتبار الأمن الرقمي استثمارًا اقتصاديًا وليس مجرد تكلفة تشغيلية.
وشدد خبير الأمن السيبراني الفرنسي على أن فرنسا وأوروبا تخوضان «حرب استنزاف رقمية» مستمرة، إذ لم تعد الهجمات السيبرانية حوادث معزولة، بل أصبحت جزءًا من البيئة الاقتصادية اليومية.
ما طبيعة البيانات التي تم تسريبها؟
أكدت شركة «ريغلو موبايل» أنه تم رصد «استخراج غير مصرح به لبيانات شخصية» تخص العملاء.
وتشمل البيانات المسربة: الاسم واللقب، العنوان البريدي، البريد الإلكتروني، رقم الهاتف، تاريخ الميلاد، رمز PUK الخاص بشريحة الاتصال، سجل الاتصالات، رقم الحساب البنكي (IBAN)، وأرقام بطاقات مصرفية.
وأشارت الشركة إلى أن البيانات البنكية كانت «محجوبة جزئيًا»، مؤكدة أن حجب رقم IBAN أو رقم البطاقة المصرفية جزئيًا يمنع أي استغلال احتيالي مباشر. كما شددت على أن كلمات المرور لم تتأثر بالهجوم، بحسب موقع «01 نت» الفرنسي.
وفور اكتشاف الاختراق، أعلنت الشركة أنها اتخذت «جميع الإجراءات اللازمة» لتأمين بيانات عملائها.
ووفقًا للقانون الفرنسي، تم إبلاغ اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات، كما جرى تقديم شكوى إلى الجهات القضائية المختصة.
وحذّرت الشركة من احتمال استغلال البيانات المسربة في حملات تصيّد احتيالي، سواء عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية أو المكالمات الهاتفية. وأكدت أن منفذي الهجوم قد يحاولون انتحال صفة الشركة أو صفة العملاء بهدف تنفيذ عمليات احتيال أو سرقة هوية.
كما شددت «ريغلو موبايل» على أنها لا تتواصل مع عملائها أبدًا لطلب بياناتهم السرية أو معلوماتهم المصرفية عبر البريد أو الهاتف.
ومن بين أخطر السيناريوهات المحتملة، إمكانية استغلال رمز PUK المسرب لمحاولة السيطرة على أرقام الهواتف عبر هجمات تبديل شريحة الاتصال. ففي حال نجاح هذه المحاولات، قد يتمكن المحتالون من تجاوز أنظمة التحقق الثنائي والوصول إلى حسابات بنكية أو رقمية مرتبطة بالرقم الهاتفي.
وبهذا الحادث، تنضم «ريغلو موبايل» إلى قائمة طويلة من الشركات الفرنسية التي تعرضت لاختراقات إلكترونية في الأشهر الأخيرة، من بينها مشغلو اتصالات كبار مثل «فري»، وهيئة السكك الحديدية، و«أورانج»، و«بويغ تليكوم»، ما يعكس تصاعد التهديدات السيبرانية التي تستهدف قطاع الاتصالات في فرنسا بشكل خاص.