في ظل الضغوط الأمريكية التي تفرض أكبر تهديد منذ عقود، تسعى كوبا إلى طلب تدخل الفاتيكان.
خلال اجتماعات رفيعة المستوى، بما في ذلك اجتماع مع البابا ليو الرابع عشر، قدم مسؤولون كوبيون التماسًا إلى الفاتيكان للعمل كوسيط مع الولايات المتحدة.
ويهدف هذا المسعى إلى تيسير المحادثات وتأمين تخفيف حملة الضغط التي تشنها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعزل كوبا عبر حصار نفطي فعلي يتسبب في نقص حاد في الوقود وانقطاعات متفاقمة للتيار الكهربائي وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة "واشنطن بوست" عن مصادر مطلعة على المحادثات.
ويأتي نداء هافانا في ظل تزايد قلق الفاتيكان على كوبا وسكانها البالغ عددهم 11 مليون نسمة حيث بلغت أزمة النفط حدًا يعيق توزيع المساعدات الإنسانية الممولة من الولايات المتحدة والتي يتم تقديمها عبر الكنيسة الكاثوليكية والتي استشهد بها البيت الأبيض كدليل على سعيه لمساعدة الشعب الكوبي.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، ظلت شحنات المساعدات عالقة لفترات طويلة في الموانئ الكوبية بسبب نقص الوقود اللازم للنقل حتى أنه تم توزيع بعض المساعدات باستخدام الحمير.
ومنذ البابا يوحنا بولس الثاني، ندد الفاتيكان بالحصار التجاري الأمريكي الشامل المفروض على كوبا والمستمر منذ عام 1960 وقامت الكنيسة بشكل أقل وضوحًا، بدور الوسيط الرئيسي بين هافانا وواشنطن خاصة عندما مهد الطريق الدبلوماسي للزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إلى كوبا في 2016.
والآن، يستند أمل هافانا إلى فكرة أن مؤسسة رفيعة المستوى بقيادة بابا أمريكي جديد قد يكون لها تأثير أكبر على ترامب، الذي هدد "بالسيطرة" على كوبا، وكذلك على الصقور الكاثوليك في إدارته الذين يضغطون من أجل تغيير النظام.
وقال جون س. كافوليتش، رئيس المجلس التجاري والاقتصادي الأمريكي الكوبي "لطالما اعتقد الكوبيون أن للفاتيكان نوعًا من السحر".
ويسعى الكوبيون إلى الحصول على مساعدة الفاتيكان في وقت يبدو فيه حلفاء هافانا التقليديون، بما في ذلك فنزويلا والمكسيك، غير راغبين أو غير قادرين على تحدي ترامب لتقديم العون.
ويشل الحصار النفطي الأمريكي المفروض منذ يناير/كانون الثاني حركة النقل والمستشفيات والخدمات العامة، ويؤدي إلى مستويات من المعاناة يصفها بعض المراقبين بأنها الأسوأ منذ مطلع التسعينيات، حين أدى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى حرمان الحكومة الشيوعية من داعمها الرئيسي.
ووفقا لمصادر مطلعة فإن كوبا تطلب من الفاتيكان تحديد "الحد الأدنى من التنازلات" التي يتعين عليها تقديمها لتخفيف إدارة ترامب من ضغوطها.
ويحظى البابا ليو، المولود في شيكاغو، بتقدير كبير في الولايات المتحدة إلا أن إدارة ترامب لم تتأثر بانتقاداته الصريحة أو غير المباشرة، لسياساتها، سواء الداخلية أو الخارجية وقال مصدر مطلع "لن تسمح إدارة ترامب للفاتيكان بإملاء سياستها تجاه كوبا".
لا تزال الكنيسة الكاثوليكية في كوبا أهم مؤسسة وطنية بعد الحكومة، وقد ازدادت قوتها في التعبير عن رأيها، حيث وجه الأساقفة نداءً جريئًا في نهاية يناير/كانون الثاني للمطالبة بـ"التغييرات السياسية التي تحتاجها كوبا".
لكنهم أعلنوا أيضًا أنه "يجب أن تكون الحكومات قادرة على حل خلافاتها ونزاعاتها عبر الحوار والدبلوماسية، لا بالإكراه أو الحرب"، وهي كلمات رددها البابا ليو في نداء عام مطلع فبراير/شباط الماضي حيث دعا "جميع الأطراف المسؤولة" إلى الحوار "لتجنب العنف وكل عمل من شأنه أن يزيد من معاناة الشعب الكوبي العزيز".
وفي 20 فبراير/شباط، التقى مايك هامر، كبير الدبلوماسيين في السفارة الأمريكية في هافانا، وبريان بيرش، سفير الولايات المتحدة لدى الفاتيكان مع رئيس الأساقفة بول ريتشارد غالاغر، الرجل الثاني في أمانة سر دولة الفاتيكان لمناقشة دور الكنيسة الكاثوليكية.
وفي اليوم نفسه، التقى هامر وبيرش بمجموعة من سفراء دول أمريكا اللاتينية لدى الفاتيكان لبحث "كيفية التعاون مع الكنيسة لدعم تطلعات الشعب الكوبي إلى الفرص الاقتصادية والحرية".
وخلال الاجتماع، قال هامر إن النظام الكوبي سيسقط "في غضون أيام"، وإن واشنطن تجري محادثات مع راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد الرئيس السابق راؤول كاسترو، بالإضافة إلى شخص ثان وأضاف أن بلاده بحاجة إلى إيصال مساعدات إنسانية وادعى أن إرسال هذه المساعدات عبر الحكومة الكوبية، فلن تصل أبدًا إلى المحتاجين إليها.
والشهر الماضي، تعهد البيت الأبيض بتقديم 6 ملايين دولار كمساعدات لكوبا يتم توزيعها عبر الفاتيكان إضافةً إلى 3 ملايين دولار تم الإعلان عنها في أكتوبر/تشرين الأول لكن مصادر مطلعة كشفت أن جزء كبير من المساعدات ظل عالقًا في الموانئ لفترات طويلة بسبب نقص وقود شاحنات النقل.
وقال رئيس أساقفة ميامي، توماس وينسكي، الذي يساعد في تقديم المساعدات الإنسانية في كوبا منذ ثلاثة عقود، إن عدم اعتراض الحكومة الكوبية على التمويل الأمريكي للمساعدات أمر بالغ الأهمية ونادر الحدوث، خاصة وأنها وصلت في صناديق كرتونية تحمل العلم الأمريكي.
وفي ظل نقص الوقود تلقى رئيس الأساقفة صوراً تظهر متطوعين من الكنيسة وهم يوزعون المساعدات على دراجات ثلاثية العجلات وعربات يدوية وقال مصدر مطلع إن الكنيسة اضطرت أيضاً إلى استخدام الحمير.
وفي بيان لها أشارت الخارجية الأمريكية إلى وجود تأخيرات في توزيع المساعدات، لكنها ألقت باللوم على "الأوضاع المأساوية" في كوبا بسبب "عدم كفاءة النظام وإخفاقاته وانتهاكاته" وقالت إن واشنطن "تعمل بشكل وثيق مع الكنيسة في جوانب مختلفة".
ونهاية الشهر الماضي، وصل وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز إلى الفاتيكان في مهمة رفيعة المستوى بصفته "مبعوثًا خاصًا" للرئيس ميغيل دياز كانيل حيث دعا إلى مساعدة عاجلة لتخفيف الأزمة الناجمة عن الحصار الأمريكي وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أعلنت هافانا أنها ستفرج عن 51 سجينًا كبادرة حسن نية تجاه الفاتيكان.
وقال مصدر مطلع إن الفاتيكان يسعى إلى حل في كوبا يكون "أقل قسوة" مما حدث في فنزويلا، عندما اعتقلت القوات الأمريكية الرئيس نيكولاس مادورو.
ويبقى الموضوع الأكثر حساسية هو اقتراح بعض المسؤولين في إدارة ترامب تغيير الرئيس وقال مصدر مطلع إن الفاتيكان حاول توجيه المناقشات نحو حل الأزمة الإنسانية أولًا.