الطلب على الدولار في ليبيا.. خبراء يحذرون: المشهد النقدي يزداد تعقيدا
يشهد سوق الصرف في ليبيا خلال الساعات الأخيرة حالة من التذبذب وارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار.
في ظل اتساع الفجوة بين العرض والطلب، واستمرار الضغوط الاقتصادية، وسط تحذيرات من تداعيات ذلك على الأسعار ومستوى المعيشة.
ويرى أستاذ التمويل في الجامعات الليبية والأردنية، الدكتور خالد الزنتوتي، أن الطلب على الدولار في السوق الليبي، سواء الرسمي أو الموازي، بلغ مستويات "غير معقولة"، مؤكداً أن المصرف المركزي لا يمكنه تلبية هذا الحجم من الطلب حتى لو تم تخصيص كامل الإيرادات النفطية لذلك.
وأوضح الزنتوتي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن الطلب المتزايد تجاوز كل التصورات، مشيراً إلى أن هذه الظروف تجعل من الصعب تطبيق النماذج الاقتصادية التقليدية لضبط سعر الصرف أو الدفاع عن الدينار.
تعقيد الأزمة
وأشار إلى تعدد أسباب ارتفاع الطلب على الدولار، من بينها لجوء العمالة الأجنبية إلى السوق الموازية للحصول على العملة الصعبة، لكنه شدد على أن العامل الرئيسي يتمثل في الفساد المستشري داخل الاقتصاد الليبي.
ولفت إلى وجود اعتمادات مستندية مشبوهة، وأنشطة غير رسمية تبحث عن الدولار بأي سعر، إضافة إلى عمليات غسل الأموال التي تزيد الضغط على العملة الأجنبية.
وأكد أن تعقيد الأزمة لا يرتبط بعوامل آنية فقط، بل هو نتاج تراكمات اقتصادية استمرت لأكثر من عقد، تشمل تضخم الدين العام، والتوسع في الإنفاق غير المرشد، وغياب سياسات مالية وتجارية واضحة، فضلاً عن الانقسام السياسي الذي أضعف أدوات السياسة النقدية.
الاحتياطي وتعويم الدينار
وحذر الزنتوتي من الدعوات لاستخدام الاحتياطيات أو تعويم الدينار بشكل غير مدروس، معتبراً أن ذلك يمثل مخاطرة كبيرة في اقتصاد يعتمد على مصدر دخل وحيد هو النفط، وقد يقود إلى زيادة المديونية أو الاعتماد على المساعدات الخارجية.
وشدد على أن الحل يكمن في ضبط الإنفاق العام، وتوحيد المؤسسات، ومكافحة الفساد، وتنويع مصادر الدخل، إلى جانب تفعيل سياسات نقدية ومالية متكاملة، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من تدهور الدينار.
تشوه في الأداء
وفي سياق متصل، يقدم الدكتور يوسف يخلف مسعود قراءة نقدية لتأثير السياسات المالية، وعلى رأسها الضريبة المفروضة على بيع العملة الأجنبية، معتبراً أنها ساهمت في تعقيد المشهد بدلاً من معالجته.
وقال، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن فرض الضريبة على النقد الأجنبي لا يُعد أداة من أدوات السياسة النقدية، بل هو اختصاص أصيل لوزارة المالية، مشيراً إلى أن تدخل المصرف المركزي في هذا الملف يعكس تشوهاً في أداء المؤسسات الاقتصادية.
خلل هيكلي
ولفت إلى وجود خلل هيكلي في إدارة المال العام، في ظل غياب موازنات معتمدة واللجوء إلى ترتيبات مالية استثنائية، ما أدى إلى صراعات مزمنة بين المصرف المركزي ووزارة المالية.
وأوضح أن سياسات المصرف المركزي، خاصة منذ عام 2017، ساهمت في تقييد عرض النقد الأجنبي رغم تحسن إيرادات النفط، ما أدى إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية آنذاك إلى نحو 10 دنانير.
الاعتمادات المستندية
وأضاف أن التوسع غير المدروس في الاعتمادات المستندية والحوالات الخارجية، دون رقابة كافية، أدى إلى تهريب العملة وغسل الأموال، مشيراً إلى ضخ مليارات الدولارات دون تحقيق أثر اقتصادي حقيقي، ما ساهم في استنزاف الاحتياطيات وارتفاع الأسعار.
الضريبة على الصرف
وفيما يتعلق بتأثير الضريبة، أوضح أنها استُخدمت منذ 2018 كأداة لتعديل سعر الصرف رسمياً، ما أدى إلى تخفيض كبير في قيمة الدينار تجاوز 300% في بعض المراحل.
واعتبر أن هذه السياسة حمّلت المواطن كلفة الفساد وسوء الإدارة، وأسهمت في تآكل المدخرات وتراجع القدرة الشرائية، رغم أن تدهور الدينار لا يرتبط بها وحدها، بل أيضاً بالقيود الانتقائية على تداول العملة الأجنبية التي خلقت بيئة احتكارية.
الأزمات الجيوسياسية
وتطرق مسعود إلى تأثير التطورات العالمية، مثل أسعار النفط والتوترات في مضيق هرمز، مؤكداً أن انعكاساتها على الاقتصاد الليبي تبقى محدودة بسبب طبيعة إدارة الموارد.
وأوضح أن ليبيا ليست لاعباً مؤثراً في تحديد أسعار النفط عالمياً، ما يقلل من قدرتها على الاستفادة من تقلبات السوق، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار النفط في محطات سابقة لم ينعكس على تحسن المعيشة أو استقرار سعر الصرف.
وأضاف أن سوء إدارة الموارد يظهر أيضاً في ملف عائدات الغاز، في ظل عدم تحصيل مستحقات من بعض الشركات الأجنبية لسنوات.
وخلص إلى أن ارتفاع أسعار النفط، حتى لو تجاوز خام برنت 100 دولار، لن يؤدي بالضرورة إلى تحسن اقتصادي، ما لم تُعالج جذور الأزمة المرتبطة بالحوكمة والشفافية.
اختلالات عميقة
من جانبه، وصف المحلل الاقتصادي وحيد الجبو أزمة الدولار بأنها نتيجة طبيعية لاختلالات اقتصادية عميقة، مشيراً إلى أن الدين العام بلغ نحو 300 مليار دينار، في ظل تراجع مستمر لقيمة العملة.
تزايد الطلب وأزمة غلاء
وأوضح أن الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، بينما تستورد البلاد أكثر من 90% من احتياجاتها، ما يرفع الطلب على العملة الصعبة، خاصة مع زيادة الإنفاق على الدراسة والعلاج بالخارج.
وأضاف أن ارتفاع الطلب مقابل محدودية العرض دفع سعر الدولار إلى مستويات تقارب 10 دنانير، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع وأدى إلى ضغوط معيشية كبيرة.
وأشار إلى أن بيع العملة عبر المصارف بأسعار مرتفعة نسبياً فاقم من أزمة الغلاء، خاصة لدى محدودي الدخل، داعياً إلى إعادة هيكلة الاقتصاد وتحويله من استهلاكي إلى إنتاجي، مع تقليص الإنفاق الحكومي ووقف الهدر.