إليزابيث فريدمان.. امرأة هزمت شيفرات النازيين
في تاريخ الحرب العالمية الثانية، برزت أسماء ارتبطت بالمعارك العسكرية والانتصارات الكبرى، لكن خلف الكواليس كانت هناك أيضا شخصيات حاسمة.
ومن بين هذه الأسماء خبيرة فك الشيفرات الأمريكية إليزابيث سميث فريدمان، التي أسهمت في إحباط أخطر شبكات التجسس النازية وإنقاذ آلاف الجنود، فيما ظلت إنجازاتها طي السرية لعقود طويلة.
ووفقا لموقع «هيستوري»، لم يبدأ الاعتراف الحقيقي بإسهاماتها إلا بعد وفاتها عام 1980، عندما كشفت الوثائق السرية عن حجم الدور الذي أدته في حماية الأمن الأمريكي ودعم قوات الحلفاء.
رسالة مشفرة أنقذت سفينة
في مارس/آذار 1942، تمكنت فريدمان من اعتراض رسالة مشفرة كشفت أن جواسيس ألمانا في أمريكا اللاتينية رصدوا تحركات سفينة الإمداد البريطانية العملاقة "كوين ماري" قبالة السواحل البرازيلية، وأن غواصات ألمانية كانت تستعد لإغراقها.
وكانت السفينة تقل أكثر من 8 آلاف جندي، فيما كان الزعيم العسكري النازي أدولف هتلر قد خصص مكافأة مالية ضخمة لمن ينجح في تدميرها.
وبفضل سرعة تحليل الرسالة وفك شيفرتها، أُعيد توجيه السفينة بعيداً عن منطقة الخطر، لتنجو من الهجوم المحتمل، في واحدة من أبرز العمليات الاستخباراتية التي أنقذت آلاف الأرواح دون إطلاق رصاصة واحدة.
من شكسبير إلى عالم الاستخبارات
ولدت إليزابيث سميث في ولاية إنديانا عام 1892، ودخلت عالم تحليل الشيفرات عام 1916 عندما استعان بها رجل الأعمال جورج فابيان للعمل في مختبرات "ريفربانك"، حيث كانت مهمتها البحث عن رسائل سرية مزعومة داخل أعمال ويليام شكسبير، في إطار نظرية تزعم أن فرانسيس بيكون هو مؤلف المسرحيات الشهيرة.
وهناك التقت زميلها ويليام فريدمان، الذي أصبح زوجها لاحقاً، وأثبتا معاً بطلان تلك النظرية، قبل أن ينتقلا إلى خدمة الحكومة الأمريكية مع دخول البلاد الحرب العالمية الأولى.
وفي عام 1921 انتقلت فريدمان إلى واشنطن، وأسست أول وحدة متخصصة لفك الشيفرات في خفر السواحل الأمريكي، لتصبح أول امرأة تقود فريقاً لتحليل الشيفرات داخل الحكومة، وأسهمت خلال فترة الحظر في كشف شبكات تهريب الخمور وملاحقة أفرادها عبر تحليل الاتصالات المشفرة.
تفكيك شبكات التجسس النازية
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، انتقلت فريدمان إلى العمل على تعقب شبكات التجسس الألمانية في أمريكا اللاتينية، ورغم اعتقادها أن قدراتها تؤهلها للتعامل مع الشيفرات العسكرية الأكثر تعقيداً، فإنها نجحت في تحقيق نتائج حاسمة.
فقد تمكنت من تحديد هوية الجاسوس الألماني يوهانس سيغفريد بيكر، المعروف باسم "سارغو"، الذي كان يقود شبكة تجسس واسعة تهدف إلى تعزيز النفوذ النازي في المنطقة.
وأسهمت المعلومات التي استخرجتها من الرسائل المشفرة في اعتراض السفينة التي كان يستقلها، قبل أن يدلي باعترافات قادت إلى تفكيك شبكات تجسس كاملة كانت تزود ألمانيا بمعلومات عن تحركات الحلفاء.
ولم يقتصر دور فريدمان على مواجهة الاستخبارات الألمانية، بل كشف أيضاً نشاط الأمريكية فيلفالي ديكنسون، صاحبة متجر للدمى في نيويورك، التي كانت تنقل رسائل مشفرة إلى اليابان.
وقدمت فريدمان تحليلاتها الفنية خلال المحاكمة، إلا أن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي آنذاك، إدغار هوفر، نسب الفضل في القضية إلى مكتبه متجاهلاً دورها المحوري.
ورغم أن زوجها ويليام فريدمان حظي بشهرة واسعة بوصفه أحد رواد علم التشفير الأمريكي، فإن الدراسات الحديثة أعادت الاعتبار لإليزابيث، مؤكدة أنها كانت من أبرز العقول الاستخباراتية في القرن العشرين.