سبائك ذهب وبرنامج تجسس وهمي وشهادات مزعومة.. قضية تهز الـ«CIA»
في قضية أثارت تساؤلات داخل الأوساط الاستخباراتية الأمريكية، كشفت صحيفة «واشنطن بوست»، عن إنشاء مسؤول سابق رفيع في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية برنامجًا استخباراتيًا سريًا ومفبركًا استخدمه كغطاء لتحويل ملايين الدولارات لحسابات لأغراضه الشخصية.
ونقلت الصحيفة الأمريكية، عن أشخاص مطلعين على التحقيق الجنائي، قولهم، إن ديفيد ج. راش، وهو مسؤول سابق رفيع في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذي اعتُقل الشهر الماضي ووُجهت إليه تهمة تتعلق بسرقة أموال عامة، قد أنشأ ما يُعرف بـ«برنامج الوصول الخاص» (Special Access Program)، وهو نوع من البرامج الاستخباراتية فائقة السرية المستخدمة لإدارة أخطر العمليات الاستخباراتية وأكثرها حساسية. وحتى العاملون في الاستخبارات ممن يمتلكون أعلى درجات التصريح الأمني لا يمكنهم الوصول إلى هذه البرامج دون إذن خاص.
وقال مطلعون على التحقيق، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، إن التحقيق الجنائي أظهر أن راش قام بإشراك اثنين من زملائه فيما وصف بأنه برنامج وهمي شديد السرية، ما جعلهما عمليًا شركاء محتملين دون علمهما الكامل، ومنعهما من التحدث مع الآخرين حوله. كما أقنع أحدهما بتحويل ملايين الدولارات إلى البرنامج عبر عقد حكومي تبين أيضًا أنه مزور. وقال أحد المصادر: «لقد اختلق عقدًا بالكامل».
ويعمل راش ضمن مديرية العلوم والتكنولوجيا في وكالة الاستخبارات المركزية، وهي الجهة المسؤولة عن تطوير أدوات التجسس التقنية التي تستخدمها الاستخبارات الأمريكية وعملاؤها في الخارج. ولم يقرّ بالذنب حتى الآن.
وخلال جلسة احتجاز عقدت أمام محكمة اتحادية في مدينة الإسكندرية يوم الجمعة، قضى القاضي بأن راش يشكل خطر هروب كبير، وأمر بإبقائه قيد الاحتجاز حتى موعد المحاكمة.
برنامج سري وهمي
وفي السياق ذاته، وضعت وكالة الاستخبارات المركزية عددًا من موظفيها في إجازة إدارية، بينما تتواصل التحقيقات التي يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والوكالة الاستخباراتية، وفقًا لمصدرين مطلعين. ولم يتم الكشف عن أسماء أو مناصب هؤلاء الموظفين.
وأظهرت تفاصيل التحقيق أن القضية تثير تساؤلات جدية حول آليات الرقابة والتدقيق الأمني داخل الوكالة.
ولا يزال غير واضح كيف تمكن راش من إنشاء برنامج سري وهمي دون موافقة رؤسائه، أو ما إذا كان زملاؤه الذين تم إدخالهم في المشروع كانوا على علم بطبيعته الاحتيالية.
ووفقًا لأحد المصادر، فإن البرنامج المزيف كان مرتبطًا بعمليات «استمرارية الحكومة»، وهي خطط تهدف إلى ضمان استمرار عمل الدولة الأمريكية في حال وقوع حرب نووية أو كوارث كبرى.
وأضاف المصدر، أن راش استخدم هذا البرنامج الوهمي وعقدًا حكوميًا لإقناع أحد المتعاقدين مع وزارة الدفاع بشراء كميات كبيرة من الذهب.
كما كشفت المصادر أن راش كان يعمل في أحد أكثر برامج جمع المعلومات الاستخباراتية سرية في الحكومة الأمريكية، وهو برنامج لا يعرف بوجوده سوى عدد محدود جدًا من مسؤولي الاستخبارات وأعضاء الكونغرس.
وتظل تفاصيل هذا البرنامج الحقيقي — المنفصل عن المشروع المزيف — شديدة السرية، حيث امتنعت الصحيفة عن نشرها بناءً على تحذيرات رسمية بأن كشفها قد يضر بعمليات استخباراتية جارية.
سبائك ذهب وساعات فاخرة
وتم اعتقال راش بعد مداهمة نفذها مكتب التحقيقات الفيدرالي في 18 مايو/أيار لمنزله، حيث صادرت السلطات 303 سبائك ذهب تقدر قيمتها بنحو 40 مليون دولار، بالإضافة إلى مليوني دولار نقدًا و35 ساعة فاخرة، وفقًا لإفادة رسمية.
وخلال الجلسة العلنية، وصف مساعد المدعي العام الفيدرالي غافين تيسديل المتهم بأنه «مناور محترف» و«كاذب متكرر»، مشيرًا إلى أنه خدع زملاءه وجيرانه بشأن خلفيته المهنية وخدمته العسكرية.
وقال القاضي إن المتهم يمتلك «القدرة والإمكانات والدافع» للهرب، وأمر باستمرار احتجازه.
من جهتها، دعت محامية الدفاع إلى إطلاق سراحه مع وضع سوار إلكتروني والإقامة الجبرية، معتبرة أن القضية تستند إلى «مزاعم مثيرة» من الحكومة.
لكن الادعاء أكد أن التحقيقات توسعت بشكل كبير خلال الأسابيع الأخيرة، وأن المتهم يواجه «وضعًا قانونيًا معقدًا وخطيرًا».
ولا توجد حتى الآن أدلة على أن راش تلقى أموالًا من جهات أجنبية للتجسس، بحسب مصادر مطلعة.
تزوير شهادات؟
وأثارت القضية تساؤلات واسعة داخل الأوساط الاستخباراتية الأمريكية حول كيفية صعوده داخل الجهاز رغم ما يُقال عن تزويره لشهاداته الجامعية وخدمته العسكرية.
وتشير الإفادة الرسمية إلى أنه ادعى الحصول على شهادتين جامعيتين، بينما لم يعثر المحققون على أي سجل دراسي يثبت ذلك، كما لم يتم التحقق من مزاعمه بشأن خدمته كطيار في البحرية الأمريكية.
وقال مسؤولون استخباراتيون سابقون إن إجراءات التحقق عادة ما تكون صارمة للغاية، وتشمل مقابلات موسعة وفحوصًا أمنية دقيقة واختبارات كشف الكذب.
وفي تطور آخر، أفيد بفصل موظف رفيع في أحد شركات الدفاع الأمريكية المرتبطة بالقضية.
كما كشفت مصادر أن راش كان على صلة، ولو بشكل مؤقت، بنائب وزير الدفاع الأمريكي، دون توضيح طبيعة هذه العلاقة.
وأكد متحدث باسم البنتاغون أن أي ادعاءات بوجود علاقة مهنية وثيقة بين الطرفين «غير صحيحة ومبالغ فيها.
وتخلص التحقيقات إلى أن بعض أدوات السرية الحكومية، المصممة لحماية المعلومات الحساسة، يمكن أن تُستغل أيضًا لإخفاء ممارسات احتيالية داخل النظام نفسه.