الأمن بنظر الأمريكيين.. فجوة بين أولويات المواطنين وميزانية البنتاغون
تكشف استطلاعات رأي حديثة عن اتساع الفجوة بين نظرة الأمريكيين لمفهوم الأمن وأولويات الإدارة الأمريكية في الإنفاق العام.
ففي الوقت الذي يرى فيه غالبية الناخبين أن الأمن يرتبط بجودة الحياة، والرعاية الصحية، والتعليم، والاستقرار الاجتماعي، تمضي إدارة الرئيس دونالد ترامب في تبني أكبر ميزانية دفاع في تاريخ الولايات المتحدة، تتجاوز 1.5 تريليون دولار، واضعة الإنفاق العسكري في صدارة أولوياتها على حساب القطاعات الخدمية.
وأظهرت دراسة أجرتها مؤسسة "ريثينك ميديا" بالتعاون مع مشروع "تكاليف الحرب" بجامعة براون أن الأمريكيين باتوا يربطون شعورهم بالأمان بعوامل اجتماعية أكثر من ارتباطه بالتفوق العسكري. فقد تصدرت العائلة والأصدقاء وفرق الاستجابة للطوارئ قائمة مصادر الإحساس بالأمن.
في المقابل، يرى 68 %من المشاركين أن الاستثمار في الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والخدمات الأساسية يمثل ركناً رئيسياً لتعزيز الأمن والاستقرار، حسب موقع ريسبونسبل ستيت كرافت.
إنفاق عسكري قياسي مقابل تراجع الإنفاق المدني
رغم هذا التحول في الرأي العام، تواصل الإدارة الأمريكية الدفاع عن رؤية تعتبر القوة العسكرية الضامن الأول للأمن القومي. وتضمنت الميزانية المقترحة زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي بنحو 500 مليار دولار خلال عام واحد، في خطوة وصفها خبراء بأنها توسع استثنائي يصعب تبريره في ظل الضغوط الاقتصادية.
ويظهر التفاوت بوضوح عند مقارنة مخصصات البنتاغون بميزانيات المؤسسات المدنية، إذ لا تتجاوز مخصصات وكالة حماية البيئة ومراكز مكافحة الأمراض مجتمعة عشرة مليارات دولار، أي نحو 1 بالمائة فقط من ميزانية وزارة الدفاع، وهو مبلغ يقل حتى عن تكلفة أسبوع واحد من أي عملية عسكرية واسعة.
ويعكس هذا التوجه تصريحات ترامب، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن الأولوية يجب أن تكون للقوة العسكرية قبل برامج الرعاية الاجتماعية.
إلا أن الاستطلاعات تشير إلى اتجاه معاكس، إذ يرى 59 % من الأمريكيين أن ميزانية الدفاع المقترحة لعام 2027 مبالغ فيها، بينما يعارض نحو ثلثي المشاركين استمرار الإنفاق العسكري دون ضوابط واضحة.
إرث الحروب يغيّر نظرة الأمريكيين
تستند هذه المواقف إلى تجربة طويلة مع الحروب الخارجية، إذ تجاوزت تكلفة الحربين في العراق وأفغانستان 8 تريليونات دولار، إلى جانب الخسائر البشرية والآثار النفسية والاجتماعية التي طالت مئات الآلاف من العسكريين وعائلاتهم.
وتشير بيانات الدراسة إلى أن 42 % فقط من المشاركين يرون أن الجيش يسهم بدرجة كبيرة في أمنهم الشخصي، مقابل 55 % يعتبرون أن العائلة والأصدقاء يمثلون مصدر الأمان الأول.
كما رأى 31 % أن بعض التدخلات العسكرية الأمريكية الأخيرة أسهمت في زيادة التهديدات الخارجية بدلاً من الحد منها، وهو ما يعكس تراجع الثقة في فعالية القوة العسكرية بوصفها الأداة الوحيدة لتحقيق الأمن.
وتبرز هذه القناعة أيضاً في شهادات عائلات عسكرية تضررت من أزمة تلوث مياه الشرب الناجمة عن تسرب الوقود من منشأة "ريد هيل" العسكرية في هاواي، حيث أكد كثير منهم أن الحادثة غيّرت نظرتهم للمؤسسة العسكرية، مع إقرارهم في الوقت نفسه بالحاجة إلى وجود قوة دفاعية تحمي البلاد من الأخطار الخارجية.
إعادة تعريف الأمن القومي
في ضوء هذه النتائج، يدعو الباحثون إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي بحيث لا يقتصر على القوة العسكرية، بل يشمل الدبلوماسية، والتنمية الاقتصادية، والاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن القدرات الدفاعية في حماية المجتمع وتعزيز الاستقرار.
ورغم استمرار البيت الأبيض في إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري، تتزايد الأصوات داخل الكونغرس وخارجه المطالبة بإعادة التوازن إلى أولويات الموازنة العامة، محذرة من أن توجيه الموارد الضخمة إلى الصناعات الدفاعية يأتي على حساب احتياجات المواطنين الأساسية.
وتؤكد هذه المؤشرات أن مفهوم الأمن لدى الأمريكيين يشهد تحولاً تدريجياً، إذ لم يعد يُقاس بحجم الترسانة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولة على توفير حياة مستقرة، وخدمات فعالة، واقتصاد أكثر متانة.
وبينما تواصل الإدارة الدفاع عن ميزانية البنتاغون القياسية، يبدو أن قطاعاً متزايداً من الرأي العام بات يطالب بمفهوم أكثر شمولاً للأمن، يوازن بين حماية البلاد من التهديدات الخارجية وتلبية احتياجات المواطنين في الداخل.