ما بعد ترامب.. الجمهوريون بين «إرث ماغا» و«معركة الخليفة»
مع مرور الوقت في الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تتجه الأنظار إلى مستقبل الحزب الجمهوري.
ومغادرة ترامب البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2029، تعد محطة يفرضها الدستور بعد استنفاده الحد الأقصى للولايات الرئاسية.
وخلال السنوات الماضية، نجح ترامب في إعادة تشكيل الحزب بصورة غير مسبوقة، محولاً إياه من مؤسسة تقليدية متعددة التيارات إلى حزب يتمحور حول شخصه وشعاره السياسي "ماغا".
إلا أن هذا التحول، وفقا لمجلة نيوزويك، ترك خلفه معضلة أساسية تتمثل في غياب بنية تنظيمية قادرة على ضمان استمرار المشروع السياسي بعد غياب قائده، ما يثير تساؤلات حول قدرة الحزب على الحفاظ على وحدته ونفوذه في مرحلة ما بعد ترامب.
هيمنة شخصية أم مشروع مؤسسي؟
تتشابه تجربة الجمهوريين اليوم مع ما واجهه الديمقراطيون عقب انتهاء عهد باراك أوباما، لكن مع اختلاف جوهري في طبيعة الأزمة.
فبينما تراجع الحزب الديمقراطي نتيجة ضعف الاستثمار في مؤسساته التنظيمية، أعاد ترامب صياغة الحزب الجمهوري بالكامل ليصبح امتداداً لإرادته السياسية.
وخلال سنوات قيادته، جرى تهميش الأصوات المعارضة، وأصبحت اللجنة الوطنية الجمهورية أكثر ارتباطاً بالرئيس من ارتباطها بالمؤسسة الحزبية، ما عزز الولاء الشخصي على حساب العمل المؤسسي، وفق المجلة.
ويرى استراتيجيون جمهوريون أن ترامب نجح في تأسيس شبكة داعمة تضم مراكز أبحاث ومنظمات سياسية ومنظومة إعلامية محافظة قوية.
لكن هذه المؤسسات لا تعالج المعضلة الأهم، وهي إمكانية نقل العلاقة الاستثنائية التي تربطه بقاعدته الشعبية إلى قيادة جديدة لا تمتلك حضوره أو كاريزمته.
3 تيارات تتنافس على قيادة الحزب
مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية المقبلة، بدأت معركة الخلافة داخل الحزب الجمهوري تتخذ ملامح أكثر وضوحاً، وسط تنافس ثلاثة تيارات رئيسية على رسم مستقبل "ماغا".
الأول هو التيار الشعبوي الموالي لترامب، الذي يتمسك بسياسات "أمريكا أولاً"، وتشديد الهجرة، والقومية الاقتصادية، ويضم شخصيات بارزة مثل ستيف بانون، الذي يدعو إلى الحفاظ على نهج ترامب دون أي تعديل.
أما التيار الثاني فيمثل المحافظين التقليديين الذين يسعون إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الحزبية، والانضباط المالي، والسياسات الخارجية التقليدية، مع الاحتفاظ بالهوية المحافظة للحزب بعيداً عن الشخصنة.
في المقابل، يبرز تيار ثالث يقوده الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي يتبنى خطاباً يمزج بين القومية والمحافظة الدينية، وأظهر تبايناً مع ترامب في بعض ملفات السياسة الخارجية، ولوح بإمكانية دعم مشروع سياسي جديد إذا تعذر إصلاح الحزب من الداخل.
فانس وروبيو.. أبرز المرشحين
في سباق الخلافة، يبرز نائب الرئيس جي دي فانس باعتباره المرشح الأقرب لتمثيل امتداد سياسي مباشر لترامب، مستفيداً من قربه الشخصي والسياسي من الرئيس ومن تبنيه الواضح لأفكار "ماغا".
وفي المقابل، يواصل وزير الخارجية ماركو روبيو تعزيز موقعه داخل الحزب، مستنداً إلى حضوره في ملفات السياسة الخارجية وإلى تنامي نفوذه داخل الإدارة.
ورغم تصاعد التكهنات، يواصل ترامب الامتناع عن إعلان تأييد أي مرشح، مدركاً أن الاحتفاظ بورقة الخلافة يمنحه نفوذاً واسعاً على جميع الطامحين لقيادة الحزب.
كما أن أي مرشح ينال دعمه سيواجه تحدياً مزدوجاً؛ إذ سيكون مطالباً بالحفاظ على ولاء قاعدة "ماغا"، وفي الوقت نفسه تقديم نفسه بوصفه قائداً قادراً على فتح صفحة جديدة، وهي معادلة صعبة في انتخابات تميل تقليدياً إلى تفضيل مرشحي التغيير.
هل تنجو "ماغا"؟
تشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة كبيرة من مؤيدي ترامب تنظر إلى "ماغا" باعتبارها هوية سياسية وثقافية، وليس مجرد برنامج انتخابي، ما يجعل نقل هذا الولاء إلى شخصية أخرى مهمة معقدة.
كما أن النقاشات داخل مؤتمر العمل السياسي المحافظ خلال الأشهر الأخيرة أظهرت اهتماماً أكبر بالدفاع عن ترامب والمعارك السياسية الراهنة، مقابل غياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعده.
ويجمع كثير من المراقبين على أن الحزب الجمهوري يقف أمام اختبار مصيري.
فإما أن ينجح في تحويل "ماغا" إلى مشروع سياسي مؤسسي قادر على الاستمرار بعيداً عن شخصية مؤسسه ترامب، وإما أن يدخل مرحلة من الانقسامات والصراعات بمجرد خروجه من المشهد.
ولا يستبعد البعض استمرار النفوذ الترامبي عبر دونالد ترامب الابن أو أي شخصية تتعهد بمواصلة نهج الرئيس دون تغيير، خاصة بعد أن أثبتت التجارب الانتخابية أن تبني خطاب "ماغا" وحده لا يكفي لتحقيق النجاح في غياب ترامب نفسه.