كشفت مجلة "لوبوان" الفرنسية، عن تحولات عميقة وغير مسبوقة داخل أجهزة الاستخبارات في فرنسا.
تلك التحولات رسم حدودها تدقيق سنوي سري أجراه الوفد البرلماني للاستخبارات (DPR)، وكشف عن تفاصيله بشكل استثنائي، في ظل تزايد التحديات التكنولوجية والأمنية والاضطرابات الجيوسياسية العالمية.
تدقيق نادر
وأوضحت المجلة أن هذا التدقيق يُعد من الحالات النادرة، نظرًا لطبيعة عمل أجهزة الاستخبارات التي تتحفظ عادة على كشف هياكلها الداخلية أو آليات عملها.
ولفتت إلى أن ثمانية برلمانيين مخولين بالاطلاع على أسرار الدفاع الوطني قاموا بفحص شامل لأداء عدد من أبرز الأجهزة، من بينها DGSE (الاستخبارات الخارجية)، وDGSI (الأمن الداخلي)، إضافة إلى أجهزة أخرى.
ومن هذه الأجهزة "Tracfin"، وحدة معالجة المعلومات المالية، وهو جهاز مختص بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب عبر تتبع التحويلات المالية المشبوهة، و"DRM" مديرية الاستخبارات العسكرية، المسؤولة عن جمع وتحليل المعلومات ذات الطابع العسكري.
كما شملت أيضا "DRSD" مديرية الاستخبارات وأمن الدفاع التي تتولى حماية القوات المسلحة والمنشآت الدفاعية من التجسس والاختراق و " DNRED" المديرية الوطنية للاستخبارات والتحقيقات الجمركية المختصة بمكافحة التهريب والجرائم الاقتصادية عبر الحدود.
نهاية العمل المنعزل
وبحسب ما نقلته المجلة، فإن أبرز ما كشف عنه التقرير هو أن أجهزة الاستخبارات الفرنسية لم يعد بإمكانها العمل بالطريقة التقليدية التي استمرت لعقود، حيث كانت كل جهة تعمل بشكل شبه مستقل ومنغلق.
وفرضت التحديات الحديثة واقعًا جديدًا يدفع نحو تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الأجهزة، خاصة بين الاستخبارات الخارجية والداخلية.
وأشار التدقيق إلى أن التحول التكنولوجي يمثل أحد أبرز التحديات، حيث بات لزامًا على هذه الأجهزة دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل كميات ضخمة من البيانات لمواكبة خصوم أصبحوا أكثر تطورًا وتعقيدًا.
كما أصبحت الهجمات السيبرانية والتجسس الرقمي من أبرز ساحات المواجهة الحديثة، ما يتطلب تحديثًا مستمرًا للأدوات والقدرات التقنية.
وفي السياق الأمني، أبرز التقرير ظهور تهديدات جديدة ومتغيرة، تشمل الإرهاب بصيغ أكثر تطورًا، والتطرف عبر الإنترنت، إلى جانب تنامي التجسس الاقتصادي والصناعي الذي يستهدف الشركات والمؤسسات الحيوية.
كما لفت إلى أن مصادر التهديدات لم تعد مقتصرة على الدول، بل تشمل أيضًا جماعات مسلحة وشبكات إجرامية وأفرادًا مستقلين.
ثورة تكنولوجية
كما شدد التقرير على تأثير الفوضى الجيوسياسية العالمية، حيث أدت النزاعات الدولية والتوترات المتزايدة إلى ضرورة امتلاك قدرات استخباراتية تعمل بشكل فوري، ما دفع أجهزة مثل DRM وDRSD إلى إعادة هيكلة عميقة لمواجهة ما يُعرف بـ"التهديدات الهجينة".
وفي جانب آخر، أشار التدقيق إلى تعزيز الرقابة البرلمانية على عمل هذه الأجهزة، خاصة فيما يتعلق باستخدام "الأموال السرية"، حيث يمارس النواب وأعضاء مجلس الشيوخ ضغوطًا متزايدة لضمان الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد، دون الإخلال بمتطلبات السرية.
وخلص التقرير إلى أن السيادة الوطنية الفرنسية باتت مرتبطة بشكل وثيق بقدرة أجهزتها الاستخباراتية على التحديث والتكيف مع هذه المتغيرات المتسارعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على توازن دقيق بين الفعالية الأمنية والرقابة الديمقراطية.