«أهانوني في البلاتوه».. حكاية «التنمر» التي دمرت عبدالرحمن أبو زهرة
في حياة كل فنان كبير لحظات فخر، ولكن في حياة الراحل عبدالرحمن أبو زهرة كانت هناك لحظة انكسار مريرة تسببت فيها زميلة مهنة.
"سفير السعادة" الذي قضى أكثر من ستين عاماً في خدمة الفن العربي، لم يكن يتوقع أن تأتيه الإساءة من داخل البلاتوه الذي طالما قدسه.
واقعة "التنمر" التي تعرض لها لم تكن مجرد خلاف عابر، بل كانت طعنة في كرامته وتاريخه، حيث تعرض للسخرية بسبب "تقدمه في العمر" و"أسلوبه في العمل"، مما فجر أزمة كبرى في الوسط الفني المصري، وجعلت الدموع تترقرق في عيني هذا العملاق أمام ملايين المشاهدين في البرامج التلفزيونية.

من هي التي أشعلت نيران الأزمة؟
بدأت الأزمة عندما خرج الفنان عبدالرحمن أبو زهرة عن صمته، متحدثاً بمرارة عن تعرضه لمعاملة غير لائقة من فنانة شابة (لم يذكر اسمها في البداية لكن التقارير والمتابعات أشارت لاحقاً إلى كواليس عمل جمعته بأسماء معينة).
الأزمة اشتعلت عندما سخرت تلك الفنانة من "سنه" ومن تدقيقه الشديد في تفاصيل اللغة العربية والأداء، واعتبرت حرصه المهني نوعاً من "الدقة الزائدة التي لا تناسب العصر".
هذا التصرف وصفه أبو زهرة بـ"قلة الأدب المهني"، معبراً عن صدمته من جيل لا يحترم الأساتذة ولا يدرك قيمة التاريخ الذي يحمله هؤلاء العمالقة على أكتافهم.
"أنت لسه بتعرف تمثل؟"
يروي المقربون من كواليس تلك الأزمة أن التنمر لم يكن خفياً، بل وصل إلى حد توجيه تعليقات ساخرة داخل غرفة المكياج وأمام العاملين.
قيل إن الفنانة وجهت له كلاماً جارحاً مفاده أن زمنه قد انتهى، وأن عليه "الجلوس في المنزل" بدلاً من إرهاق الممثلين الشباب بملحوظاته الفنية. هذه الكلمات كانت كفيلة بتحطيم روح أبو زهرة المعنوية؛ فهو الذي يرى في التمثيل "عبادة وفناً"، وجد نفسه متهماً بـ "الخرف الفني" من قِبل جيل جديد يبحث عن الشهرة السريعة.
هذه الواقعة لم تكن تنمراً على الشخص فحسب، بل كانت تنمراً على "القيمة" و"الخبرة".

"بكاء على الهواء"
في واحد من أكثر اللقاءات التلفزيونية تأثيراً، ظهر عبدالرحمن أبو زهرة وهو يغالب دموعه، متحدثاً عن شعوره بـ "الغربة" داخل الوسط الفني.
قال بكلمات تقطع القلب: "أنا بقيت غريب في البلاتوهات.. بيتعاملوا معايا كأني تكملة عدد".
هذا الاعتراف الصادق كان بمثابة "زلزال" هز الرأي العام حينها.
كانت هذه الواقعة مكملة لحالة الاكتئاب التي دخل فيها بعد وفاة زوجته.
شعر بأن العالم يتآمر عليه ليخرجه من المشهد؛ ففي البيت "فراغ" وفي العمل "إهانة".
هذا الضغط النفسي المزدوج جعله يفكر جديًا في الاعتزال، وبدأ يشكك في جدوى العطاء الذي قدمه طوال حياته.
تضامن متأخر أم نفاق اجتماعي؟
بمجرد انتشار تفاصيل الواقعة، تحول الوسط الفني إلى خلية نحل من التضامن.
هبّ كبار النجوم والصحفيين للدفاع عن "الأستاذ"، وانطلقت حملات على السوشيال ميديا تحت وسم "كلنا عبدالرحمن أبو زهرة". ورغم هذا التضامن الواسع، كان أبو زهرة يرى فيه نوعاً من "التعويض المتأخر"؛ فقد كان يتساءل: أين كان هؤلاء عندما كنت أتعرض للإساءة في البلاتوه؟
التضامن أعاد له جزءاً من اعتباره، لكنه لم يمحُ أثر الكلمة الجارحة التي قيلت في لحظة ضعف، مؤكداً أن الاحترام يجب أن يكون "ثقافة عمل" وليس مجرد "حملة تعاطف" مؤقتة.

صراع الأجيال
فتحت أزمة أبو زهرة باب النقاش حول صراع الأجيال في الفن. قديماً، كان الممثل الشاب لا يجرؤ على الجلوس في حضور الأستاذ، أما اليوم فقد تغيرت الموازين بفعل "المال" و"النجومية الزائفة".
واقعة التنمر على أبو زهرة كشفت عن "فجوة أخلاقية" كبرى؛ حيث أصبح الممثل الشاب يرى نفسه "مركز الكون" لمجرد امتلاكه ملايين المتابعين، بينما يرى الفنان القدير "عبئاً".
حقيقة "الصلح"
بعد الضغط الجماهيري الكبير، قيل إن الفنانة المعنية حاولت التواصل مع أبو زهرة للاعتذار وتوضيح وجهة نظرها بأن كلامها "فُهم خطأ".
لكن الفنان الكبير، بكرامته المعهودة، لم يلتفت كثيراً لهذه المحاولات. كان يرى أن الاعتذار الحقيقي يكون أمام الناس كما كانت الإساءة، أو عبر تغيير السلوك المهني بالكامل.
فضل أبو زهرة الانسحاب بوقار، معتبراً أن صفحته مع هذا النوع من البشر قد طُويت للأبد، مفضلاً الحفاظ على نقاء تاريخه بعيداً عن صراعات "الشو الإعلامي" والصلح المفتعل أمام الكاميرات.
