مكافحة التلوث البلاستيكي.. لماذا يصعب الوصول لاتفاق عالمي؟ (حوار)

تبرز الحاجة الماسة لإبرام اتفاق عالمي بشأن البلاستيك، لكن الأمر ليس بتلك السهولة.
ظهرت أزمة التلوث البلاستيكي منذ عقود مضت، لكن أخيرًا قررت جمعية الأمم المتحدة للبيئة في عام 2022، وضع معاهدة دولية ملزمة بشأن التلوث البلاستيكي، وأثمر هذا القرار عن تشكيل لجنة التفاوض الحكومية الدولية (INC)، والتي اهتمت بوضع صياغة لمعاهدة تغطي دورة حياة البلاستيك الكاملة. وانعقدت عدة جولات للجنة التفاوض الحكومية الدولية، آخرها كانت بين يومي 5 إلى 15 أغسطس/آب 2025 في جنيف بدولة سويسرا. لكنها انتهت بخيبة أمل كبيرة؛ إذ لم تصل الأطراف المشاركة في المؤتمر لقرارات مرضية وتصاعدت الخلافات. وهذا ليس أمرًا جديدًا؛ فهناك العديد من التحديات حول الحد من التلوث البلاستيكي، ما يصعب فكرة الوصول إلى معاهدة ملزمة.
خطر متزايد
وفقًا لموقع (Statista)؛ فقد بلغ الإنتاج العالمي للبلاستيك عام 2023 نحو 415 مليون طن متري، وهذا يعني زيادة في النفايات البلاستيكية، والتي ينتهي بها الحال غالبًا إلى الطبيعة التي تستقبل المواد البلاستيكية كعبء إضافي؛ إذ يصعب تحلل تلك المواد؛ خاصة وأنها غير طبيعية وإنما مصنعة. وتتضرر كافة أشكال الحياة من تلك النفايات البلاستيكية. ومن المتوقع أن يتضاعف تدفق النفايات البلاستيكية إلى النظم البيئية البحرية بمعدل 3 مرات تقريبًا من 11 مليون طن عام 2016 إلى 29 مليون طن بحلول عام 2040، وذلك في حال عدم اتخاذ إجراءات جادة.
وتُعلق "فرح الحطّاب" ممثلة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مفاوضات معاهدة البلاستيك العالمية ومسؤولة حملة البلاستيك، قائلة لـ"العين الإخبارية": "كل يوم يتأخر فيه العالم في التوصل إلى اتفاق عالمي ملزم بشأن البلاستيك، تتفاقم الأزمة أكثر فأكثر، فتغرق البشرية في مزيد من المخلفات الملوِّثة والمضرّة بالصحة. ويدفع ثمن هذا التأخير الناس والكوكب على حد سواء، وفي مقدمتهم المجتمعات الأكثر تضررًا مثل السكان الأصليين، والعلماء، والعاملين في قطاع الرعاية الصحية، والنساء، والأطفال والشباب، وجامعي النفايات، فضلاً عن الشركات والمنظمات غير الحكومية".
تأخيرات مستمرة
وعلى الرغم من الحاجة الملحة لإبرام معاهدة ملزمة قانونًا للحد من التلوث البلاستيكي وتنظيم الإنتاجية العالمية للبلاستيك؛ إلا أنّ هناك العديد من الصعوبات والخلافات بين الدول والتي تقود في نهاية المفاوضات خلال جولات لجنة التفاوض الحكومية الدولية إلى عدم التوصل لقرارات صارمة. ويأتي هذا لعدة أسباب، نطرح منها:
1- انقسامات جيوسياسية واقتصادية
ظهرت الانقسامات بصورة واضحة بين الأطراف على طاولة المفاوضات، وتركزت حول خفض إنتاجية البلاستيك، باعتبار أنّ هذا الحل هو السبيل الواقعي لمعالجة الأزمة. وهنا ظهر التضارب في المصالح بين الدول؛ فمن المعلوم أنّ البلاستيك يعتمد في تصنيعه بصورة أساسية على الوقود الأحفوري، والذي تعتمد عليه العديد من الدول باعتباره موردًا طبيعيًا تقوم عليه اقتصاداتها، وهذا يعني أنّ خفض إنتاجية البلاستيك قد يهز اقتصاد العديد من دول العالم، وفي أثناء المفاوضات، أوضحت الدول النفطية بأنّ البلاستيك المشتق من الوقود الأحفوري جزء أساسي من خططها الاقتصادية المستقبلية، وتُصر هذه المجموعة على أنّ الحل الأمثل ليس الحد من تصنيع البلاستيك، بل تطوير التكنولوجيا لتعزيز البنية التحتية لجمع وإعادة تدوير النفايات البلاستيكية.
على الصعيد الآخر، ارتفعت أصوات أخرى معارضة بما فيها الاتحاد الأوروبي والدول الجزرية الصغيرة والدول النامية، مطالبة بوضع معاهدة ملزمة قانونًا لإنتاج البلاستيك ومعالجة الأزمة من جذورها. وبذلك "ظلّت الدول على خلاف طوال جولات مفاوضات INC بشأن ما إذا كان الاتفاق سيشمل هدفًا ملزمًا لخفض إنتاج البلاستيك، باعتباره المصدر الأساسي لتلوث البلاستيك عالميًا"، بحسب فرح الحطاب في حوارها مع "العين الإخبارية".
2- من الممول؟
تبرز مشكلة التمويل أيضًا في قضية التلوث البلاستيكي؛ ففي جميع الأحوال، تحتاج الدول إلى تمويل للتخفيف من التلوث البلاستيك من أجل تعزيز البنية التحتية لإدارة النفايات البلاستيكية، وتطوير بدائل للبلاستيك التقليدي وتصنيع بلاستيك مستدام، وهناك حاجة أيضًا إلى تحقيق الانتقال العادل وتوفير فرص للعمال والموظفين في قطاعات تصنيع البلاستيك، إضافة إلى تنظيف التلوث البلاستيكي القديم.
لكن، كما هو المتوقع، برزت الخلافات في الجولة السابقة في جنيف حول التمويل؛ إذ كانت تفضل الدول النامية إنشاء صندوق مخصص لتمويل العمل في معالجة أزمة التلوث البلاستيكي، بينما فضلت الدول المتقدمة الاعتماد على مرفق البيئة العالمية، وتقول "فرح الحطاب" للعين الإخبارية: "برز خلاف حاد حول ضرورة تضمين آليات تمويل قوية ومنصفة، تتيح لدول الجنوب العالمي الدعم اللازم من أجل تحقيق انتقال عادل نحو مستقبل خالٍ من البلاستيك".
وتتابع الحطاب في حديثها مع العين الإخبارية قائلة: "إن غياب آليات تمويل واضحة ومُلزِمة تخدم التحول لاقتصادات دائرية في دول الجنوب العالمي والمجتمعات الأكثر تضررًا يجعل أي معاهدة مقترحة عاجزة عن ضمان انتقال عادل نحو مستقبل خالٍ من البلاستيك. فهذه الآليات ليست مجرد تفصيل ثانوي، بل تمثل الركيزة الأساسية التي من دونها لن تتمكن الدول النامية من الوفاء بالتزاماتها أو حماية مجتمعاتها من تداعيات التلوث البلاستيكي. وينبغي أن تكون آليات التمويل عادلة، غير مشروطة، وغير مرتبطة بديون تثقل كاهل الدول المستفيدة، بل قائمة على التزامات واضحة ومحددة من دول الشمال العالمي من حيث مصادر التمويل ووجهة إنفاقه".
3- حظر مواد معينة
تباينت الآراء بين الدول في جنيف أيضًا حول نطاق وصراحة حظر بعض المواد الكيميائية الضارة التي تدخل في صناعة البلاستيك على الرغم من أنّ المفاوضات قد دارت حول دورة حياة البلاستيك بأكملها؛ إلا أنها لم تسفر عن نتيجة مرضية خاصة بالمواد الكيميائية، وأوضحت "فرح الحطاب" للعين الإخبارية: "انقسمت الآراء حول تحديد قائمة المواد الكيميائية الضارة والمنتجات البلاستيكية التي ينبغي منعها بشكل صريح ضمن الاتفاق".
النتيجة غير مرضية
تسببت كل نقاط الخلافات المذكورة في عدم التوصل إلى توافق في الآراء بين الأطراف المشاركة في مفاوضات جنيف، ولم تكن صياغة مسودة النص النهائية للمعاهدة مرضية بالشكل الكاف؛ إذ أُسقطت الأحكام المتعلقة بحدود الإنتاج وكان التركيز الأكبر على إدارة النفايات واتخاذ التدابير الطوعية، الأمر الذي أدى إلى رفض العديد من الدول لتلك المسودة. وهذا يعني استمرار تأخير وضع معاهدة ملزمة.
وتُعلق "فرح الحطاب"، قائلة للعين الإخبارية: "استمرار التأخير يهدد سبل عيش المجتمعات الساحلية التي تعتمد على البحر، ولا سيما الصيادين، الذين تتراجع فرص عملهم وتتضرر مصادر دخلهم وأمنهم الغذائي بشكل متزايد. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد أيضًا إلى قطاع السياحة الذي يمثل ركيزة أساسية في اقتصادات العديد من الدول الساحلية، والذي سيواصل بدوره تكبّد خسائر متزايدة بفعل تفاقم أزمة التلوث البلاستيكي".
بريق أمل
على الرغم من استمرار الخلافات، إلا أنّ "الجولة الأخيرة من لجنة التفاوض الحكومية الدولية (INC5.2)، قد فتحت المجال فتحت المجال للبناء على الطموحات الإيجابية لبعض الدول في الجولة المقبلة. وقد لمسنا تغييراً في أسلوب التفاوض، إذ لجأ المفاوضون هذه المرة إلى الحوار والمواجهة المباشرة فيما يتعلق بنقاط الخلاف البارزة بدلاً من المماطلة وتأجيل النقاش كما كان يحدث في الجولات السابقة. لقد وصلنا إلى جوهر المشكلة، لكننا نحتاج إلى مزيد من الوقت لمعالجة نقاط الخلاف". تشرح الحطاب.
من جانب آخر، لم ينته الأمر بعد؛ فمن المقرر عقد جولة جديدة من المفاوضات خلال المرحلة المقبلة، وتقول "فرح الحطاب" للعين الإخبارية: "يُنتظر أن تتركّز الجهود على تضييق فجوة الخلافات بين الدول، والبحث عن نقاط التقاء حقيقية تمكّن من التوصل إلى اتفاق قوي وملزم. فالخطوة القادمة يجب أن تقوم على تعزيز الإرادة السياسية، وإبداء مرونة أكبر من جميع الأطراف، بما يضمن صياغة معاهدة طموحة تعالج جذور أزمة التلوث البلاستيكي وتضع آليات واضحة للتنفيذ والتمويل".