عصر ما بعد الدولار.. تحولات النظام المالي العالمي تحت ضغط الجيوسياسة
اعتبر تحليل نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية أن حرب الولايات المتحدة على إيران تعزز الشعور بأهمية التحول التدريجي بعيدا عن الهيمنة العالمية للعملة الأمريكية، نحو نظام مالي عالمي أكثر تعقيدا وتعددية، وقد لا يكون على هوى واشنطن.
وأشار التحليل إلى أن الحرب أضافت مؤشرات جديدة على ما وصفه بنمط سياسات أمريكية يثير الجدل، ويدفع — وفقا للقراءة المطروحة — إلى تعزيز مسار تقليل الاعتماد على الدولار، في وقت تسعى فيه حكومات حول العالم إلى بناء بدائل بهدوء.
ولفت التحليل إلى أن الدولار تراجع بنسبة 7% خلال العام الماضي، رغم قوة النمو الاقتصادي الأمريكي وارتفاع أسعار الأسهم في وول ستريت. ويعكس هذا التراجع جزئيا توقعات التضخم وأسعار الفائدة، وربما أيضا شعورا أكثر غموضا بأن إطار السياسات الأمريكية لم يعد متينا أو قابلا للتنبؤ كما كان في السابق.
وكما خلص المشاركون في مؤتمر عُقد في لندن الأسبوع الماضي بدعوة من مركز سياسات التجارة الشاملة، فإن الاحتمال الأرجح ليس أن تحل عملة واحدة محل الدولار — كما حل الدولار فجأة محل الجنيه الاسترليني بعد الحرب العالمية الثانية — بل أن يتشكل نظام أكثر تعقيدا وتعددية في الأقطاب.
ولا تزال التجارة الدولية تُجرى في معظمها بالدولار، رغم تزايد استخدام الرنمينبي الصيني. لكن فيما يتعلق باحتياطيات النقد الأجنبي، تتحرك البنوك المركزية عالميًا بهدوء وتدرّج نحو بدائل، إذ تراجعت حصة الدولار من 71% عام 2001 إلى 57% بنهاية الربع الأخير من العام الماضي.
وبحسب التحليل، فإن بذور هذا التحول زُرعت منذ زمن. فقد سارع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى إنقاذ النظام المالي العالمي في ذروة أزمة الائتمان بين عامي 2007 و2008 عبر فتح خطوط مقايضة مع دول مختارة، ما أتاح للبنوك المركزية مبادلة عملاتها المحلية بالدولارات التي كانت في أمسّ الحاجة إليها.
وقد لقيت تلك الخطوة ترحيبًا واسعًا، إذ ساهمت في إنقاذ النظام القائم على الدولار، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن النفوذ الهائل الذي تتمتع به الولايات المتحدة نتيجة كون عملتها شريان الحياة للاقتصاد العالمي.
وفي الوقت نفسه، أدى الاستخدام المتزايد للعقوبات الاقتصادية كسلاح جيوسياسي — بما في ذلك تجميد الأصول الخارجية وقطع الوصول إلى نظام سويفت الدولي للمدفوعات — إلى إبراز مخاطر ما وصفه الأكاديميان الأمريكيان هنري فاريل وأبراهام نيومان بمفهوم «الاعتماد المتبادل المُسلّح».
وقد تردد صدى هذا الوصف في خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس، حيث حذر من أن «القوى العظمى بدأت تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كأداة ضغط، والبنية التحتية المالية كوسيلة إكراه، وسلاسل الإمداد كنقاط ضعف يمكن استغلالها».
وأشار التحليل إلى دافع آخر نحو تقليل الاعتماد على الدولار، يتمثل في توافر حلول تكنولوجية تجعل البنية التحتية للتسوية والتبادل أرخص وأسرع. كما يجري بناء هياكل مالية جديدة تدريجيًا.
ولفت إلى إعلان البنك المركزي الأوروبي مؤخرًا عزمه تعزيز ترتيبات اتفاقيات إعادة الشراء، أي تقديم عرض دائم لإقراض اليورو للبنوك المركزية الأخرى في أوقات الأزمات. ويأمل البنك أن يساعد توضيح استعداده للقيام بدور المقرض الأخير في حالات الطوارئ المالية مستقبلًا على تجنب تكرار أزمات منطقة اليورو، وتعزيز جدوى العملة الأوروبية الموحدة.
ومن ناحية أخرى، لطالما التزمت دول مجموعة بريكس — البرازيل والصين والهند وروسيا، إضافة إلى الأعضاء الجدد — بالحد من هيمنة الدولار. ورغم أن الحديث عن «عملة بريكس» لا يزال نظريًا، فإن النقاش يتزايد حول بناء روابط مالية تتجاوز الولايات المتحدة، بما في ذلك إنشاء خطوط مقايضة للاستخدام في حالات الطوارئ، وجعل العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية قابلة للتبادل فيما بينها.
وقال الخبير بكلية الحقوق في جامعة إدنبرةفرانسيسكو كوينتانا: «إنها مجموعة تراكمية من ديناميكيات متشابهة تحدث في أنحاء العالم، في سياق يتضح فيه أكثر فأكثر أنه قد لا يكون من الأفضل الاعتماد بهذا الشكل الضخم على الولايات المتحدة، التي تصبح أقل موثوقية».
وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن تراجع هيمنة الدولار ستكون له تكاليف اقتصادية ومالية. ويشير الباحثون إلى أن العجز الأمريكي المرتفع باستمرار وارتفاع مستويات الدين يمثلان محركًا لهذا التراجع، وربما أيضًا عاملًا في تآكل الثقة بالمؤسسات الأمريكية.
ونظرًا لحجم الدين الأمريكي — المتوقع أن يصل إلى نحو 130% من الناتج المحلي الإجمالي خلال خمس سنوات، وفقًا لصندوق النقد الدولي — فقد تصبح تداعيات ذلك مكلفة في نهاية المطاف على المدى الطويل.