اليعسوب لا يقاتل عشوائيا.. دراسة تكشف قواعد المناورة الجوية
لطالما أذهلت اليعاسيب العلماء بقدراتها الاستثنائية على الطيران والمناورة، لكن دراسة جديدة كشفت عن تفاصيلها.
ووجدت الدراسة أن المعارك الجوية المعقدة التي يخوضها الذكور دفاعا عن مناطق نفوذها وفرص التزاوج قد لا تكون معقدة كما تبدو. فخلف المطاردات الدائرية والالتفافات السريعة التي تشبه الاشتباكات الجوية بين الطائرات المقاتلة، تختبئ مجموعة من القواعد السلوكية البسيطة التي توجه هذه الحشرات أثناء القتال.

الدراسة التي أجراها باحثون من "إمبريال كوليدج لندن" وحديقة حيوان تايبيه في تايوان، ونُشرت في Journal of the Royal Society Interface، سعت إلى فهم الكيفية التي تتخذ بها اليعاسيب قراراتها أثناء الاشتباكات الجوية، وما الهدف الحقيقي الذي تسعى إليه خلال هذه المواجهات.
يقول الباحث الرئيسي للدراسة، صامويل فابيان، إن المعارك بين ذكور اليعاسيب تعد من أكثر السلوكيات إثارة في عالم الحشرات. فعندما يحاول ذكر جديد دخول منطقة يسيطر عليها منافس آخر، تبدأ مطاردات جوية محمومة تتخللها حلقات والتفافات ومسارات لولبية معقدة فوق البرك والجداول المائية.
لكن الملاحظة التي أثارت فضول العلماء كانت أن هذه المعارك تختلف جذريًا عن مطاردات الصيد التقليدية. ففي حين يسعى المفترس إلى الإمساك بفريسته، لا يحاول أي من الطرفين هنا الاصطدام بالآخر أو الإمساك به. ومن هنا بدأ التساؤل: ماذا تحاول اليعاسيب تحقيقه فعليا أثناء القتال؟
للإجابة عن هذا السؤال، ركز الفريق على نوع من اليعاسيب يعرف باسم "اليعسوب القرمزي". واستخدم الباحثون زوجًا من الكاميرات فائقة السرعة والمتزامنة لتصوير أكثر من مئة مواجهة جوية داخل حديقة حيوان تايبيه. وأتاحت هذه التقنية إعادة بناء مسارات الطيران ثلاثية الأبعاد لكلا المتنافسين بدقة عالية، حتى أثناء التحركات السريعة للغاية.
كما قارن العلماء هذه المعارك بمشاهد صيد حقيقية سجلوا خلالها اليعاسيب وهي تلاحق فرائسها، بهدف معرفة الفروق بين سلوك القتال وسلوك الافتراس.
ومن خلال تحليل البيانات، تمكن الباحثون من قياس سرعة الحشرات ومعدلات تسارعها وزوايا دورانها، إضافة إلى تحديد موقع كل منافس بالنسبة للآخر لحظة بلحظة. ثم اختبروا نماذج رياضية مختلفة لمعرفة ما إذا كانت قواعد توجيه بسيطة قادرة على تفسير هذه المناورات التي تبدو شديدة التعقيد.
تبادل الأدوار بدلًا من المطاردة المباشرة
أظهرت النتائج أن المعارك الجوية لا تعتمد على استراتيجيات معقدة أو خطط تكتيكية متقدمة كما كان يُعتقد. ففي كثير من الأحيان يتبادل الطرفان الأدوار باستمرار، فالمطارد يصبح مطاردا خلال ثوانٍ معدودة، والعكس صحيح، بينما يحاول كل منهما الوصول إلى موقع جوي يمنحه أفضلية على منافسه.
ووجد الباحثون أن هذه الأنماط يمكن تفسيرها بواسطة قواعد بسيطة للغاية تعتمد على ملاحقة متبادلة وتنظيم السرعة، دون الحاجة إلى افتراض وجود قرارات معقدة أو استراتيجيات مدروسة مسبقًا.
كما اكتشف الفريق أن اليعاسيب تتبع قاعدة مهمة أثناء القتال: عندما تقترب كثيرا من منافسها فإنها تبدأ في إبطاء سرعتها بدلًا من زيادة اندفاعها نحوه. ويبدو أن التحكم في السرعة يمثل عنصر أساسيا في إدارة المواجهة، لأنه يغير شكل المناورات الجوية بالكامل ويمنع حدوث الاصطدامات.
تشابه مدهش مع القتال الجوي البشري
ومن أكثر النتائج إثارة أن سلوك اليعاسيب أظهر تشابها لافتًا مع بعض تكتيكات القتال الجوي التي يستخدمها الطيارون العسكريون. فالفوز في المعركة لا يعتمد على الاصطدام بالخصم أو الإمساك به، بل على اكتساب موقع أفضل في المجال الجوي المحيط.
ويشير الباحثون إلى أن هذه النتيجة توحي بأن الكائنات الحية المختلفة قد تطور حلولًا متشابهة للمشكلات نفسها عندما تواجه قيودا بصرية وحركية متقاربة، حتى لو كانت تفصل بينها ملايين السنين من التطور.

لماذا لا تطير بأقصى سرعتها؟
ورغم شهرة اليعاسيب بكونها من أسرع الحشرات الطائرة، فوجئ العلماء بأنها لا تستخدم كامل قدراتها أثناء القتال. فقد أظهرت البيانات أن الذكور تخوض معظم المواجهات بسرعات أقل بكثير من الحد الأقصى الذي تستطيع الوصول إليه.
ويفسر الباحثون ذلك بأن السرعات المنخفضة تمنح الحشرة قدرة أكبر على المناورة والدوران الحاد بدقة أعلى. كما تبين أن اليعاسيب تقضي نحو ثلث وقت المعركة في الانزلاق الهوائي بدلًا من الرفرفة المستمرة، ما يشير إلى وجود جانب يتعلق بإدارة الطاقة وتوفير الجهد أثناء المواجهة.
لغز لم يُحل بعد
ورغم النجاح في تفسير كيفية حدوث المعارك، لا يزال سؤال مهم بلا إجابة: لماذا يفوز بعض الأفراد باستمرار؟
فقد لاحظ الباحثون أن بعض ذكور اليعاسيب تستطيع الاحتفاظ بمناطقها لأسابيع متتالية، بينما تفشل أخرى في ذلك. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان السبب يعود إلى قوة بدنية أكبر أو مهارات طيران أفضل أو استخدام تكتيكات مختلفة أثناء القتال.
ويخطط الفريق في الدراسات المقبلة لتتبع الأفراد بشكل أكثر دقة، ومقارنة أدائهم خلال المعارك، كما سيوسعون أبحاثهم لتشمل حشرات طائرة أخرى مثل الفراشات والذباب لمعرفة ما إذا كانت القواعد نفسها تنطبق عليها.
ويرى الباحثون أن فهم هذه المناورات لا يقتصر على كشف أسرار عالم الحشرات فحسب، بل قد يساعد أيضًا في تطوير أنظمة روبوتية وطائرات مسيرة أكثر ذكاءً، قادرة على تعقب الأهداف والمناورة بسرعة وكفاءة مستوحاة من واحدة من أمهر الطائرات الطبيعية على كوكب الأرض: اليعسوب.