«بلا اسم» ويمكن نقله في ساعات.. «مصنع سري» يرسم مستقبل جيوش أوروبا
في موقع سري جنوب ألمانيا، وتحت حراسة أمنية مشددة داخل مجمع صناعي هادئ لا يعلم المستأجرون فيه بوجود جارهم الأخطر، وضع مدير مصنع تابع لشركة «هلسينغ إس إي» بين ذراعي أحد الصحفيين طائرة هجومية سوداء لا يتجاوز وزنها 26 رطلاً.
ورغم خفة وزنها وبساطة تصميمها المصنوع من الفوم الصلب، تمثل هذه الطائرة نموذجًا لتحول جذري في اقتصاديات الدفاع الحديثة، وفي طبيعة الحرب الدائرة في أوكرانيا، وربما في مستقبل الأمن الأوروبي بأكمله، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.
فعلى مدار عقود، اعتمدت الحكومات الغربية على شركات الصناعات العسكرية العملاقة لتوفير الدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات، وهي منظومات تستغرق سنوات طويلة للتطوير والتسليم وتكلف مئات الملايين من الدولارات، إذ يتجاوز سعر الطائرة المقاتلة إف-35 وحدها حاجز 100 مليون دولار.
أما اليوم، فيتجه الإنفاق العسكري بصورة متسارعة نحو تكنولوجيا دفاعية أرخص وأكثر مرونة، تطورها شركات ناشئة ممولة من القطاع الخاص، بعيدًا عن البيروقراطية الحكومية التقليدية.
ثورة في اقتصاديات الدفاع
تُعد "هلسينغ" اليوم أغلى شركة ناشئة في أوروبا في مجال الدفاع المعتمد على الذكاء الاصطناعي، بعدما نجحت في اختراق سوق احتكرته لعقود شركات الصناعات العسكرية التقليدية.
واستطاعت الشركة، على غرار عدد من الشركات الناشئة المستوحاة من نموذج وادي السيليكون، استقطاب مليارات الدولارات من رؤوس الأموال الاستثمارية، إضافة إلى استقطاب خبرات تقنية جاءت من شركات مثل "بالانتير" و"تسلا" و"آبل" و"ميتا".
مصنع لا يحمل اسمًا... ويمكن نقله خلال يوم واحد
يقع المصنع في مجمع صناعي هادئ بضواحي جنوب ألمانيا، لكنه يعمل في سرية تامة. فلا يظهر اسم الشركة على أي من مبانيه، كما وافقت وسائل الإعلام التي زارته على عدم الكشف عن موقعه، خشية أن يصبح هدفًا للتخريب أو الهجمات، خاصة أن آلاف الطائرات المسيّرة التي خرجت من خطوط إنتاجه استخدمت بالفعل ضد القوات الروسية في أوكرانيا.

ويعمل داخل المصنع نحو مئة موظف، كثير منهم كانوا يعملون سابقًا في شركات صناعة السيارات الألمانية التي شهدت موجات تسريح واسعة.
ويخضع جميع العاملين لفحوص أمنية دقيقة ويوقعون اتفاقيات صارمة لعدم الإفصاح، بينما يزين أحد الجدران شعار يقول: "حماية ديمقراطياتنا".
وتؤكد الشركة أن المصنع صُمم بحيث يمكن تفكيكه ونقله بالكامل خلال يوم واحد فقط إذا تعرض لأي تهديد أمني.
طائرات منخفضة التكلفة... وعالية الفاعلية
تمكنت "هلسينغ" من تطوير طائرات هجومية تعمل بالذكاء الاصطناعي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها 17,500 يورو، مقارنة بعشرات أو مئات الملايين التي تتطلبها المنظومات العسكرية التقليدية.
ولا تحتاج هذه الطائرات سوى إلى عدد محدود من الأفراد العسكريين، كما يكفي أسبوع واحد فقط لتدريب المشغلين عليها، وهو ما يجعلها خيارًا اقتصاديًا وعسكريًا جذابًا للجيوش الحديثة.
ومنذ أواخر عام 2024، دفعت الشركة بآلاف الطائرات المسيّرة إلى ساحات القتال في أوكرانيا، حيث خضعت لاختبارات ميدانية مكثفة في ظروف حرب إلكترونية معقدة.
لعبة القط والفأر فوق الجبهة الأوكرانية
تعكس مقاطع الفيديو القادمة من الجبهة الأوكرانية طبيعة الحرب الجديدة. إذ تحلق طائرات إتش إكس-22، وهي من فئة الذخائر المتسكعة أو الطائرات الانتحارية، فوق ساحات القتال بحثًا عن أهداف دقيقة مثل بطاريات المدفعية والمركبات المدرعة الروسية المموهة داخل الغابات.
وبمجرد حصول المشغل، الموجود على بعد أميال، على تأكيد الهدف، تنقض الطائرة بسرعة لتدميره، حتى في ظل نيران العدو.
تبلغ نسبة نجاح هذه المهمات بلغت نحو 70 بالمائة، وهي نسبة يعتبرها "مصدر فخر كبير" للشركة.
ويرجع هذا الأداء إلى البرمجيات المتقدمة التي تسمح للطائرة بمواصلة تنفيذ مهمتها حتى عند تعرض أنظمة الاتصالات أو نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) للتشويش الإلكتروني الروسي، وهو ما يمنحها درجة عالية من الاستقلالية.
كما تستفيد الشركة من الكم الهائل من البيانات التي تجمعها من كل مهمة قتالية، إضافة إلى تسجيلات الفيديو التي يوفرها الجنود الأوكرانيون، لتحديث أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورة مستمرة. ويقول شيرف: "هناك الكثير على المحك، وهذه التقنيات تتطور بسرعة فائقة".
الخطوة التالية... مقاتلة بلا طيار
لا يتوقف طموح "هلسينغ" عند الطائرات المسيّرة الصغيرة، بل يمتد إلى مشروع أكثر طموحًا يجري تطويره في مطار يقع غرب ميونيخ، حيث يعمل المهندسون على إنتاج أول طائرة مقاتلة بدون طيار للشركة، تحمل اسم سي إيه-1 يوروبا.
ويجري تصنيع الطائرة الجديدة من ألياف الكربون خفيفة الوزن، ويُخطط لدخولها الخدمة بحلول عام 2029، مع قدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل أراضي الخصوم.

وتقوم الفكرة على إنتاج مئات الطائرات منخفضة التكلفة بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الطائرات المقاتلة التقليدية باهظة الثمن. ويمكن للطائرات العمل ضمن أسراب، بحيث تتولى إحداها التشويش الإلكتروني، بينما تنفذ الأخريات ضربات دقيقة باستخدام ذخائر موجهة.
أوروبا تستعد... والحرب المقبلة تلوح في الأفق
داخل مستودعات المصنع السري، تصطف عشرات الصناديق الخشبية في انتظار الشحن. بعض هذه الشحنات يتجه إلى أوكرانيا، بينما يتجه جزء آخر إلى لواء ألماني دائم التمركز في ليتوانيا قرب الحدود مع بيلاروسيا، في مؤشر واضح على أن دول أوروبا لم تعد تستعد فقط لدعم كييف، بل أيضًا لتعزيز جاهزيتها لأي مواجهة مستقبلية.
وفي الوقت نفسه، وافق البرلمان الألماني على عقد عسكري بقيمة 220 مليون يورو مع "هلسينغ" لتطوير مجموعة واسعة من أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية.
ويختتم ألكسندر بلانشارد المشهد بتحذير يعكس أبعاد هذا السباق العسكري المتسارع، قائلاً: "ازدهار صناعة الأسلحة لا يحدث لأن العالم يتوقع جيلًا من السلام، بل لأنه يستعد لاحتمال صراع أكبر."