مصر والإمارات.. دبلوماسية اقتصادية ملهمة لشراكات مستدامة
تُعرف دولة الإمارات بـ«بلد اللا مستحيل»، فيما تُعد مصر أرض الفرص الواعدة في أفريقيا، ما أسهم في تسارع التعاون الاقتصادي بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
ويقوم اليوم الإثنين، عبدالفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية الشقيقة، بزيارة أخوية إلى دولة الإمارات، لبحث تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.
وكان في مقدمة مستقبلي الرئيس المصري لدى وصوله مطار الرئاسة في أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات.
ومع تنامي العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة، تعد صفقة رأس الحكمة، التي تم توقيعها في 2024، علامة فارقة في مسار هذه الشراكة الراسخة، التي يجسدها حجم الاستثمارات الضخمة التي تضخها دولة الإمارات في مصر، وتعزز مكانة مصر كوجهة استثمارية جاذبة، ويعكس ثقة الدولة الخليجية ودعمها للقاهرة.
التبادل التجاري
تعد العلاقات الاقتصادية أحد أبرز ركائز العلاقات الإماراتية - المصرية؛ إذ تعد مصر سادس أكبر شريك تجاري عربي لدولة الامارات في مجال التجارة غير النفطية مع الدول العربية، إذ أسهمت العلاقات الثنائية المتنامية بين البلدين في زيادة التعاون في المجالات المختلفة خاصة على المستويات الاقتصادية.
وخلال 2025، تصدرت دولة الإمارات قائمة أكبر الأسواق المستقبلة للصادرات المصرية غير البترولية، ما يمثل الشراكة الاقتصادية والتجارية بين البلدين، ودور السوق الإماراتية كمحور رئيسي لنفاذ المنتجات المصرية ودعم حركة التجارة والاستثمار المتبادلة.
وارتفعت صادرات مصر غير البترولية إلى الإمارات بنسبة 17% لتسجل 48.56 مليار دولار، وبلغت الواردات 83.14 مليار، بينما انخفض العجز في الميزان التجاري بنسبة 9% ليسجل 34.47 مليار مقارنة بالعام السابق. وارتفعت صادرات مصر من الذهب لتصل إلى 7.6 مليار دولار، في مؤشر يعكس تنامي مساهمة القطاعات ذات القيمة المرتفعة في هيكل الصادرات، بحسب رئيس جهاز التمثيل التجاري المصري، يحيى الواثق بالله.
وتتمثل أهم الصادرات المصرية في اللؤلؤ الطبيعي والأحجار الكريمة والآلات والمعدات الكهربائية، والملابس الجاهزة، والفواكه، والخضروات. فيما تتضمن أهم واردات مصر من دولة الإمارات الوقود والزيوت المعدنية واللدائن ومصنوعاتها، والنحاس ومصنوعاته والأسماك.
شراكة صناعية تكاملية لتنمية اقتصادية مستدامة
وشهد مايو/أيار 2022، إعلان الشراكة الصناعية التكاملية لتنمية اقتصادية مستدامة تجمع الدولتين، إضافة إلى المملكة الأردنية الهاشمية والتي انضمت مملكة البحرين إليها لاحقاً، من أجل تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة في 5 مجالات صناعية واعدة ومؤهلة للتكامل والتعاون مع تخصيص صندوق استثماري بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في المشاريع المنبثقة عنها.
وعززت اللقاءات المتواصلة بين المسؤولين في دولة الإمارات ومصر من أطر التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية المختلفة. وتغطي الاستثمارات الإماراتية في مصر معظم القطاعات الاقتصادية، ويستحوذ قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على الحصة الأكبر مع 55 شركة، أبرزها شركة (إي آند)، ويأتي قطاع التمويل في المرتبة الثانية بنحو 49 شركة مؤسسة.
صفقة رأس الحكمة
ومع تنامي شعبية الصفقات العابرة للحدود في الآونة الأخيرة، لا تزال أصداء "صفقة رأس الحكمة" تتصدر المشهد الاقتصادي الإقليمي والعالمي؛ حيث وقعتها دولة الإمارات مع مصر كأكبر صفقة استثمار مباشر على مر تاريخها بقيمة 35 مليار دولار وهي رسالة ثقة قوية، كما تحمل العديد من المؤشرات الإيجابية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل للاقتصاد المصري
تلك الصفقة تشكل قيمة مضافة للاقتصاد المصري حيث ستضع مصر لأول مرة ضمن تصنيف الدول الأكثر جاذبية لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لعام 2024 - 2025 في تقرير "أونكتاد" المقبل مما يعتبر شهادة ثقة في فتح باب الاستثمار الأجنبي في مصر خلال الفترة المقبلة.
رأس الحكمة، هي صفقة تستحق أن نسميها ”أم الصفقات" فهي جريئة ومؤثرة وغيرت موازين القوة الاستثمارية في المنطقة، كما أنها فرصة ثمينة فهي فعلاً "جوهرة التاج" -إن جاز التعبير - وبدت عملاقة رغم التحديات التي تواجه دول العالم كافة"، كما قال جمال بن سيف الجروان الأمين العام لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج.
وجاءت صفقة رأس الحكمة، التي وقعتها الحكومة المصرية مع صندوق الثروة السيادي -القابضة (ADQ)-، في فبراير/شباط 2024، لتطوير المدينة كطوق نجاة للاقتصاد المصري، بفضل قيمتها الاستثمارية المرتفعة، والتوقعات بأن تدر على الاقتصاد نحو 150 مليار دولار طوال فترة المشروع، ما أسهم في انتعاش الاقتصاد الذي كان يعاني من أزمة عنيفة.
الصفقة التي تضاف إلى سلسلة من الصفقات الاستراتيجية بين البلدين، تضمنت ضخ 24 مليار دولار كاستثمارات مباشرة، بالإضافة إلى التنازل عن 11 مليار دولار قيمة الودائع الإماراتية لدى البنك المركزي المصري، بجانب حصول القاهرة على 35% من إيرادات المشروع.
صفقات استراتيجية.. وتعاون متجدد لتعزيز أمن الطاقة
وكانت دولة الإمارات في مقدمة الدول التي وقعت مع مصر اتفاقيات في مجال الطاقة الجديدة، ففي يونيو/حزيران 2023، وقعت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل "مصدر"، بالتعاون مع ائتلاف يضم "إنفنيتي باور"، أكبر شركة للطاقة المتجددة في أفريقيا، وشركة "حسن علام للمرافق"، اتفاقية مع "هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة" في مصر.
وتهدف الاتفاقية إلى تطوير مشروع محطة لطاقة الرياح بقدرة إنتاجية تبلغ 10 غيغاواط وبتكلفة استثمارية تتجاوز 10 مليارات دولار، وعند اكتمال المشروع سيصبح أحد أكبر محطات طاقة الرياح في العالم، وسيسهم في توفير تكاليف الغاز الطبيعي إضافة إلى المشاركة في تقليل حجم الانبعاثات الكربونية.
كما شهدت الفترة الأخيرة مساهمة كبيرة لرؤوس الأموال الإماراتية في الاستثمارات الدولية الموجهة للسوق المصرية وذلك من خلال إبرام عدد من الصفقات الاستثمارية والاستحواذات الهامة في عدد من القطاعات الصناعية والعقارية والخدمية واللوجستية إضافة الى قطاعات الطاقة.
ومن أبرز الصفقات الاستراتيجية، اتفاقية امتياز لمدة 30 عاماً تم توقيعها في ديسمبر/كانون الأول الماضي بين هيئة الموانئ البحرية المصرية ومجموعة موانئ أبو ظبي، لتطوير وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء سفاجا البحري.
وفي يونيو/حزيران الماضي، تم توقيع العقد النهائي لمنح التزام بناء وتطوير وإدارة وتشغيل وتسويق وصيانة وإعادة تسليم البنية الفوقية، لمحطات السفن السياحية في 3 موانئ، بالتعاون بين هيئة موانئ البحر الأحمر وموانئ أبوظبي، تتضمن ضخ الأخيرة لاستثمارات قيمتها 4.7 مليون دولار، لتطوير البنية الفوقية للتعامل مع تلك النوعية من السياحة الفاخرة.
الاستحواذ على شركات
وفي عام 2023، استحوذ صندوق أبوظبي للتنمية، على حصص أقلية في ثلاث شركات بقطاع البترول المصري (إيثيدكو، شركة الحفر المصرية، وشركة إيلاب)، بقيمة 800 مليون دولار، عقب استحواذه في 2022، على حصص في خمس شركات مدرجة بالبورصة المصرية بقيمة 1.88 مليار دولار. وبعيدًا عن صفقة رأس الحكمة، وصلت استثمارات الصندوق في برنامج الطروحات الحكومية بمصر إلى 2.68 مليار دولار.
وتتضمن الاستثمارات الإماراتية في الشركات المصرية حصة بنسبة 32% في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات، و21.52% في شركة أبوقير للأسمدة، و20% في شركة مصر لإنتاج الأسمدة (موبكو)، و17.15% في البنك التجاري الدولي (CIB)، و12.6% في شركة فوري بعد زيادة رأس المال.
شراكة استراتيجية
ويؤكد مدير عام مركز المصريين للدراسات السياسية والاقتصادية، عادل عامر، أن مصر تتمتع بعلاقات متميزة للغاية مع دول الجوار، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها الإمارات، التي تتصدر قائمة الشركاء التجاريين لمصر في المنطقة، وتعتبر الإمارات شريكًا استراتيجيًا لمصر على كافة الأصعدة.
ويذكر عامر لـ"العين الإخبارية"، أن مشروع تنمية مدينة رأس الحكمة هو صفقة استراتيجية جاءت في وقت حساس للغاية للاقتصاد المصري، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة بسبب تداعيات حرب غزة والتصعيد في البحر الأحمر، ما تسبب في خفض إيرادات قناة السويس.
ويشير إلى أن الصفقة تعكس ثقة دولة الإمارات في الاقتصاد المصري وقدرته على التعافي، ودعمها الممتد لمصر، فضلًا عن وفرة الفرص الاستثمارية في مصر بمختلف القطاعات، خاصة قطاعات التنمية العمرانية والسياحة.
وعقب توقيع صفقة رأس الحكمة، وصف رجل الأعمال الإماراتي، خلف الحبتور، الأمر بأنها المبادرة الاستثمارية التاريخية بين دولة الإمارات ومصر، التي تشكل حافزًا كبيرًا لعدد كبير من رجال الأعمال للاستثمار في مصر.