سياسة

عشية الانتخابات النصفية.. أمريكا متصدعة ومتشظية

الثلاثاء 2018.11.6 09:14 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 269قراءة
  • 0 تعليق
إميل أمين

لعلها واحدة من أكثر انتخابات أمريكا إثارة هذه المرة، فعلى الرغم من أنها ليست انتخابات رئاسية، بل تجديد نصفي للكونجرس، إلا أن العارفين ببواطن الأمور في الولايات المتحدة الأمريكية، يدركون إدراكا كبيرا أن شيئا ما مختلف، سيما وأن الأمريكيين لم يعودوا بعد على قلب رجل واحد، وباتت عوامل التشظي تشملهم، وتصدع الحقيقة في الداخل يفت في عضدهم.

يدافع ترامب باستماتة من أجل فوز الجمهوريين بالأغلبية المطلقة في غرفتي الكونجرس، الشيوخ والنواب، ودفاعه براجماتي لأكثر من سبب، وهو الذي لا تجمعه مودة أخلاقية ما مع الديمقراطيين وبنفس القدر مع غالبية الجمهوريين

أحد أهم الأسئلة المطروحة عشية الانتخابات، هل بات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حجر زاوية يراكم عليه الأمريكيون البناء، أم إنه حجر عثرة ومثار انقسام في الشارع الأمريكي؟

أغلب الظن أنها انتخابات تجري برسم استفتاء على سياسات ترامب المثيرة للجدل خارجيا وداخليا، وهي سياسات تصادمية في الخارج بلا شك، وقد بات الأمريكيون يلهثون وراءه، غير قادرين على إدراك توجهاته، وهل هو رئيس يؤيد فكرة أمريكا المنعزلة والمتمترسة وراء محيطين، لا يهمها أن تكون شرطي العالم أو حارسه، بل يهمها أوضاعها الاقتصادية في الداخل، وهو الشعار الذي رفعه إبان حملته الانتخابية "أمريكا أولا"، أم العكس بمعنى القائد الأمريكي الذي يحاول أن يجدد شباب الأمة الأمريكية من حيث الانطلاق حول العالم، وتأكيد رؤية وهدف وثيقة القرن الأمريكي، أي صبغ القرن الحادي والعشرين بصبغة أمريكية، دون منازع أو مشارك؟

مهما يكن من أمر الجواب، فإن أمريكا اليوم منقسمة روحها في داخلها بين فريقين الواقعية والمثالية، أمريكا الحائرة بين أن تكون مدينة فوق جبل تنير للجالسين في الظلمة أنوار الحريات والديمقراطيات الحقيقية غير المنحولة، أو أن تضحي أمريكا التي لا تعرف إلا إلى القوة الخشنة سبيلا للتعاطي مع بقية العالم، ولا دالة لها على القوة الناعمة التي تحدث بها البروفيسور جيمس ناي قبل أكثر من عقدين من الزمان .

لم تشهد أمريكا تصاعدا لحالة الشعبوية والتطرف اليميني مثلما شهدت في العامين الفائتين من رئاسة ترامب، ولا يمكن لأي محلل محقق ومدقق للشأن الأمريكي أن ينكر أن لترامب دورا كبيرا في زخم هذا التيار، وأنه وإن كان متواجدا بالفعل تحت الجلد الأمريكي، إلا أن شهوة قلب ترامب أظهرته، وفيما الشعبوية تضرب أمريكا ، تتعالى أصوات العنصرية الزاعقة، وترتفع رايات العداء للسامية الفاقعة، ويسقط الضحايا من يهود أمريكا على الطرقات كما رأينا في معبد مدينة "بيتسبرغ" الأيام القليلة الماضية ومن أسف شديد .

يدافع ترامب باستماتة من أجل فوز الجمهوريين بالأغلبية المطلقة في غرفتي الكونجرس، الشيوخ والنواب ، ودفاعه براجماتي لأكثر من سبب، وهو الذي لا تجمعه مودة أخلاقية ما مع الديمقراطيين وبنفس القدر مع غالبية الجمهوريين.

السبب الأول هو أن خسارة الحزب الجمهوري لتلك الأغلبية تفتح الباب واسعا أمام أحاديث العزل، سيما إذا قدم المحقق الخاص مولر المزيد من الأدلة التي تؤكد تورط ترامب في فضيحة روسيا – غيت بصورة مؤكدة.

والثاني هو أن تلك النتيجة ستكون قراءة استشرافية لحال ومآل انتخابات الرئاسة القادمة 2020، تلك التي يضع ترامب نصب عينيه عليها، ويسعى إليها سعيا حثيثا، وعليه فإنه حال خسارة حزبه هذه المرة لصالح الديمقراطيين سوف تتضاءل الآمال في أن يبقى في البيت الأبيض لولاية ثانية.

والشاهد أنه على الرغم من أن هناك الكثيرين في الداخل الأمريكي يعارضون سياسات ترامب، إلا أن أنصاره أيضا كثر، وهو يراهن على تيار اليمين الأمريكي الأصولي، وقد جمع قبل بضعة أسابيع في البيت الأبيض القادة الدينيين الإنجيليين، وطلب إليهم السعي بين أتباعهم الروحيين وهم يتراوحون ما بين 150 و 200 مليون نسمة لترويج رؤاه السياسية، المشحونة بالفوقية الأمريكية التقليدية .

تشيئ ملامح ومعالم هذه الانتخابات بأن شيئا جللا يمكن أن يواجه الأمبراطورية الأمريكية المنفلتة بحسب المؤرخ الأمريكي بول كيندي، ويتمثل في تعميق الشرخ الحادث في جدار النسيج الاجتماعي للبلاد، ما حدا بالمؤرخ البريطاني الشهير "نيل فيرغسون"،  الأستاذ في جامعة هارفارد الأمريكية لأن يكتب عبر صحيفة "ذي تايمز " مشيرا إلى أن الانتخابات الرئاسية المقبلة يمكنها أن تؤدي إلى انقسام في المجتمع الأمريكي يصل إلى حد الحرب الأهلية.

مرد هذا الهول الأعظم عند "فيرجسون" صاحب الكتب المعمقة في تاريخ أمريكا هو أن حدة التناقضات الداخلية في الولايات المتحدة اشتدت في الأونة الأخيرة، حيث تكثف "الصراع الثقافي"، وبلغ الأمر حد إرسال قنابل صغيرة إلى منتقدين بارزين للرئيس ترامب، مثل باراك أوباما وهيلاري كلينتون، وكل هذا يعطي أرضية "لنبؤات جديدة" عن الحرب الأهلية الأمريكية.

والثابت أنه لم يكن فيرجسون وحده من الانتجلنسيا الأمريكية "النخبة المثقفة" من تحدث عما ينتظر البلاد، فقد جاد "فرانسيس فوكاياما" على الأمريكيين بكتابه الأخير عن "الهوية .. مطالب الكرامة وسياسات الاستياء"، وفيه يبين بوضوح عميق للغاية كيف أن إشكالية الهوية الأمريكية تنذر وتحذر بصعود جارف وقاتل للتيارات القومية والشوفينية في الداخل الأمريكي، سيما بعد أن تخلى اليسار الأمريكي عن دوره التقليدي على صعيد الحياة السياسية .

لن يقدّر لأمريكا أن تقاوم طويلا قانون نشوء وارتقاء القوى العظمى ومن ثم أفولها ، فهي تعيش مرحلة فرط الامتداد الإمبراطوري، وربما يكون ترامب بالفعل رجل الساعة الحادية عشرة في تاريخ أمريكا مالئة الدنيا وشاغلة الناس .

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات