الطيف الكهرومغناطيسي.. عين سحرية تستخدمها الطائرات الأمريكية
لا يُنظر الآن للطائرات الحديثة كأجسام معدنية تحلق، بل تحولت لمنصات استشعار وتحكم تستخدم لغة فيزيائية غير مرئية، هي الطيف الكهرومغناطيسي.
ويصف أنتوني كليانثوس، أستاذ الفيزياء بجامعة إدنبرة البريطانية، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، هذا الطيف، بأنه التوزيع الكامل للموجات والطاقة الكهرومغناطيسية من موجات الراديو حتى الأشعة السينية وأشعة غاما، ويشكل الأساس لكل رادارات وأنظمة الكشف الحديثة، ولا يمكن فهم أداء الأنظمة العسكرية المتقدمة دون الرجوع إليه.

ويوضح كليانثوس أن الأبحاث العلمية والأكاديمية في مجال تقنيات التخفي، تشير إلى كيفية توظيف الطائرات الحديثة، مثل المقاتلات الأمريكية ذات القدرات العالية، للطيف الكهرومغناطيسي للتخفي من أنظمة الرادارت، إذ تعتمد على خفض البصمة في مختلف أجزاء الطيف الكهرومغناطيسي، لا فقط في نطاق الرادار، بل أيضا في نطاق الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، وذلك لتقليل احتمال اكتشافها من قبل أنظمة العدو.
ولا يتحقق التخفي في الطائرات العسكرية الحديثة بمجرد الهروب من الرادار فقط، بل عبر خفض البصمة في مختلف أجزاء الطيف الكهرومغناطيسي في آنٍ واحد، فكما لو أن الطائرة تحاول الاختباء من أكثر من "عين" في الوقت نفسه، تُصمم هياكلها وموادها بحيث لا تعكس موجات الرادار، وتُخفض حرارة محركاتها لتقليل بصمتها في نطاق الأشعة تحت الحمراء، كما تُستخدم طلاءات خاصة تقلل انعكاس الضوء المرئي، وبهذه المقاربة المتكاملة، قد تنظر أنظمة العدو في اتجاه الطائرة، لكن دون أن تتمكن من اكتشافها بوضوح، ما يمنحها أفضلية حاسمة في ساحة معركة ترى بالموجات بقدر ما ترى بالعين المجردة.
وتشير دراسة مراجعة منشورة في مجلة "بروجريس إن ماتريال ساينس" إلى مواد الامتصاص متعددة الأطياف التي تُستخدم لتقليل انعكاس الموجات في نطاقات الرادار.
وتلفت الدراسة إلى أهمية الجمع بين قدرات الرادار والأشعة تحت الحمراء لمنع اكتشاف الطائرة في أكثر من نطاق طيفي واحد، ما يعزز تفوّقها في ساحات العمليات.
كما يشير بحث آخر منشور في دورية "إنفرا ريد فيزكس آند تيكنولوجي"، إلى تطوير أسطح ومواد متقدمة تمتص الطاقة في نطاقات الرادار والأشعة تحت الحمراء، بحيث تقلل من قوة الإشارات المنعكسة إلى أحدث أجهزة الرصد، وتُحسن أداء تقنية التخفي.

مهام متعددة في الهجوم
وبالإضافة لدورة في التخفي، يلعب الطيف الكهرومغناطيسي دورا كبيرا في الهجوم يشرحه كليانثوس.
ويقول إن الطائرات تعتمد على موجات الرادار لإرسال نبضات كهرومغناطيسية ترتد عن الهدف، فتحدد موقعه بدقة و سرعته و اتجاه حركته، وبعد ذلك توجه الذخائر الذكية مثل الصواريخ الموجهة بالرادار مباشرة إلى هذه الإشارة المرتدة، وهنا يصبح الرادار بمثابة كشاف يحدد الهدف، ثم دليل يقود السلاح إليه.
كما تلعب دورا أيضا فيما يعرف بالهجوم بالأشعة تحت الحمراء، فكل محرك، وكل آلية عسكرية، وكل تجمع آلي يترك بصمة حرارية، وتستخدم الطائرات مستشعرات الأشعة تحت الحمراء لرصد هذه الحرارة، ثم تطلق صواريخ تتبعها تلقائيا.
ومن التقنيات أيضا المستخدمة في الهجوم، هي قيام الطائرات ببث موجات كهرومغناطيسية قوية تشوش على رادارات العدو وتُعطل الاتصالات وتُربك أنظمة الدفاع الجوي، وفي هذه اللحظة، قد تكون الطائرة موجودة فعلا في السماء، لكن أنظمة العدو لا تدرك ذلك أصلا.
كما تستطيع الطائرات بث إشارات كهرومغناطيسية تُظهر على شاشات العدو كطائرات غير موجودة وأسراب وهمية، فينشغل الدفاع الجوي بأهداف "مزيفة"، بينما يأتي الهجوم الحقيقي من اتجاه آخر.