مفاجأة علمية يكشفها خبير سويدي: انبعاثات حرائق الغابات الشمالية أكبر مما نعتقد «حوار»
ربما تكون انبعاثات حرائق الغابات في الغابات الشمالية أعلى انبعاثًا مما كنا نظن.
تمتد الغابات الشمالية في نطاق نصف الكرة الشمالي، والذي يشمل: روسيا وكندا والدول الاسكندنافية، وهي من أكبر الأنظمة البيئية البرية في العالم؛ إذ تشغل مساحة تُقدر بنحو 27% من إجمالي مساحة الغابات في العالم، ما يجعلها من أهم الأنظمة البيئية وأكثرها ثراءً بيولوجيًا. وهي أيضًا موضع اهتمام العلماء والباحثين؛ خاصة وأنّ ظاهرة الاحتباس الحراري تتسبب في زيادة وتيرة حرائق الغابات، والتي بدورها تُطلق كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ما يقود إلى تفاقم أزمة المناخ.
لذلك، يُصمم العلماء والباحثون نماذجًا مناخية لتقدير كميات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من الغابات المختلفة حول العالم، لكن خرجت دراسة تكشف عن أنّ انبعاثات الكربون الناتجة عن حرائق الغابات الشمالية تحديدًا، أكبر مما يعتقده العلماء.
حرائق وكربون!
يغفل الكثيرون عن العلاقة الوثيقة بين الغابات وتخزين الكربون؛ فالغابات عبارة عن نظام بيئي يتكون من مجموعات هائلة من الأنواع النباتية والحيوانية، وتقوم الأنواع النباتية بعملية البناء الضوئي، ومن خلالها تمتص النباتات غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وتحوّله إلى أكسجين وجلوكوز وماء؛ فتُخزن النباتات الكربون في الكتلة الحيوية الحية، وينتقل إلى التربة عند موت النباتات وتحللها إلى عناصرها الأولية. وهكذا يتراكم الكربون هناك لمئات أو ربما آلاف السنين.
لكن ما الذي يحدث مع اندلاع حرائق الغابات؟ حسنًا، يمكن تخمين ذلك بسهولة؛ إذ تحدث أكسدة؛ عندما يتفاعل الأكسجين مع الكربون العضوي؛ فيتكون غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق للغلاف الجوي؛ مُضيفًا جرعة زائدة من غاز الاحتباس الحراري الأشهر.
حرائق الخث
وتربة الخُث في الغابات، هي عبارة عن أراضي رطبة وغنية جدًا بمواد نباتية متحللة جزئيًا، وغالبًا تكون بقايا لنباتات قديمة، وعندما تجف تلك التربة، تصبح قابلة للاشتعال؛ إذ تعمل بقايا النباتات فيها كوقود، وفي ظل الاحتباس الحراري، تزداد فرصة اندلاع حرائق الخث، والتي خلالها تحترق التربة نفسها بل وتمتد النيران إلى تحت سطح الأرض، وقد تستمر تلك الحرائق لفترات طويلة؛ طالما أن الظروف الجوية مهيئة لذلك في ظل توافر بقايا نباتات منذ آلاف السنين بكميات كبيرة نسبيًا، ما يُحفز الاشتعال. وخلال تلك الفترة، تنطلق كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون والغازات الأخرى؛ مقارنة بحرائق الأشجار العادية، كما يصعب إطفاؤها؛ خاصة وأنها تحت الأرض، بالتالي، ينطلق مخزون هائل من الكربون، والذي تكوّن لآلاف السنين تحت الأرض.
إغفال!
تغفل العديد من نماذج المناخ عن انبعاثات الكربون الهائلة الناجمة عن حرائق الغابات الشمالية؛ بسبب عدم أخذ انبعاثات حرائق الخث التي تُخزن كميات هائلة من الكربون القديم بعين الاعتبار. وهذا ما سلطت عليه الضوء الدراسة المنشورة في دورية "ساينس أدفانسيز" (Science Advances) في 27 فبراير/شباط 2026، والتي أجرتها مجموعة بحثية دولية. وخلصت الدراسة إلى أنّ حرائق الغابات الشمالية قد يكون لها تأثير أكبر على المناخ مما كان يعتقده العلماء في السابق؛ خاصة وأنّ أغلب نماذج المناخ تعتمد على صور الأقمار الصناعية التي تُركز على ألسنة اللهب التي تلتقطها، أما الحرائق العميقة في التربة؛ فعادةً تتجاهلها النماذج.
ويقول الدكتور "يوهان أ. إيكدال" (Johan A. Eckdahl)، المؤلف الرئيسي للدراسة من قسم علوم الأرض والبيئة، جامعة لوند، بالسويد، ويعمل كباحث ما بعد الدكتوراة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة الأمريكية، لـ"العين الإخبارية": "تاريخيًا؛ فقد تركزت معظم عمليات جمع العينات الميدانية في الأبحاث المتعلقة بحرائق الغابات الشمالية على منطقة واحدة أو بضع مناطق متقاربة من آثار الحريق، ولا يمكن إنكار أنّ هذا العمل كان له دور مهم في فهم العوامل المؤثرة في انبعاثات الكربون على المستوى المحلي، ومع ذلك، قد يغفل هذا العمل عن العوامل التي تختلف باختلاف المناطق الجغرافية الأوسع".
على نطاق أوسع
لاحظ الباحثون أنّ البحث على نطاق واسع يجعل الصورة أكثر وضوحًا، ما دفعهم إلى تحليل نحو 324 حريقا للغابات اندلعت في السويد عام 2018، إضافة إلى سجلات للغابات الوطنية المفصلة مع قياسات ميدانية مباشرة لإعادة بناء خريطة أكثر تفصيلًا لكمية الكربون المنبعثة من كل حريق. ويشرح إيكدال؛ قائلًا للعين الإخبارية أنه لمعالجة مسألة العوامل المختلفة على النطاق الجغرافي الواسع؛ فقد ذهبوا إلى "دراسة 50 حريقًا تُغطي تقريبًا كامل النطاق المناخي للغابات الشمالية في الدول الاسكندنافية".
تجدر الإشارة إلى أنّ هناك 19 موقعًا من المواقع محل الدراسة قد تعرضت لحرائق شديدة، بينما شهد الـ 31 موقعًا الباقيين حرائقًا أقل شدة. ويتابع إيكدال مؤكدًا أنّ ذلك بدوره أتاح لهم دراسة العوامل الإقليمية المؤثرة في انبعاثات حرائق الغابات. وفي أثناء عملية جمع العينات، قاس الباحثون سُمك طبقة التربة الغنية بالمواد العضوية، والتي تتراوح بين بضعة سنتيمترات إلى عدة أمتار. بعد ذلك، قارنوا بين مستويات الكربون في التربة المحروقة مع مستويات الكربون في عينات من غابات مجاورة غير محروقة، ثم قاموا بقياس كمية الكربون المنبعثة.
من جانبه يوضح الدكتور "يوهان إيكدال" لـ"العين الإخبارية" أنّ "فهم هذه الأنماط على نطاق واسع أمر بالغ الأهمية؛ فقد تبدو الانبعاثات الناجمة عن حريق واحد ضئيلة عند قياسها على مساحة بضعة هكتارات، لكنها تُصبح كبيرة عند جمعها عبر مناطق واسعة". ويُضيف قائلًا أنه "إذا أردنا تحسين تقدير انبعاثات حرائق الغابات الكبيرة التي يمكنها أن تُؤثر على النظام المناخي العالمي؛ فنحن بحاجة إلى فهم أفضل للعوامل المؤثرة على تلك النطاقات الجغرافية الأوسع".
يؤكد إيكدال لــ"العين الإخبارية" على أنّ الدراسة "تُبرز مدى أهمية العوامل الجغرافية المؤثرة في انبعاثات حرائق الغابات؛ ففي السابق كان على الباحثين دمج العديد من مجموعات البيانات المتباينة، والتي تم جمعها بأساليب تقدير مختلفة، ذلك النهج الذي قد يتسبب في إحداث قدر كبير من التشويش، ويُصعب تحديد الأنماط بوضوح". ويتابع شارحًا "من خلال دراسة العديد من الحرائق باستخدام منهجية متسقة، يُمكننا عزل دور المناخ وخصائص التضاريس في تشكيل انبعاثات حرائق الغابات بصورة أكثر دقة".
أعلى من المتوقع
أظهر تحليل الباحثين أنّ الظروف المحلية -كالغطاء النباتي وخصائص التربة والمناخ- تؤثر بصورة كبيرة على كمية الكربون المخزنة في الغابات وكمية الكربون المنبعثة في أثناء الحريق. وبالفعل قارن مؤلفو الدراسة خرائط الانبعاثات التي صمموها بـ 6 نماذج عالمية شائعة الاستخدام لدراسة حرائق الغابات، لكنهم وجدوا اختلافات كبيرة؛ فهناك بعض المناطق التي بالغت فيها النماذج في تقدير انبعاثات الكربون لديها، بينما هناك مناطق أخرى أعطتها النماذج تقديرات أقل من الانبعاثات الفعلية.
حسنًا، لنطرح مثالًا، في مقاطعة دالارنا بالسويد، اشتعلت حرائق أقل شدة بهدوء في طبقات سميكة من التربة العضوية وكانت أقل وضوحًا من الفضاء. لكن قللت النماذج من تقدير انبعاثات الكربون بما يصل إلى 14 مرة عن الحقيقة.
يُحدّث الدكتور يوهان إيكدال "العين الإخبارية" عن أكثر النتائج التي أثارت دهشتهم، قائلًا: "ربما كانت النتيجة الأكثر إثارة للدهشة هي مدى بساطة ووضوح الأنماط؛ فغالبًا تُعد حرائق الغابات ظاهرة بالغة التعقيد، وتميل النماذج إلى عكس هذا التعقيد، لكننا وجدنا أنه يمكننا وصف الانبعاثات من خلال معادلة أساسية تستخدم متغيرات مناخية بسيطة وكفاءة تصريف المياه في الغابة". ويُضيف: "بعد فترة من محاولة جعل منهجية التقدير أكثر تعقيدًا، تبين أنّ تبسيط المنهجية هو الحل الأمثل".
مخالفة للتوقعات
ومن الطبيعي أن يختبر الباحث فرضياته في أثناء البحث، ومن الوارد أن يصل إلى نتائج تُخالف توقعاته، وهذا ما وجده إيكدال وزملاؤه؛ ويصرح لـ«العين الإخبارية» قائلًا: "من الأمور التي خالفت توقعاتنا بصورة ملحوظة هي أنّ هناك حريقًا واحدًا قد اندلع في عام 2014، أنتج انبعاثات كربونية تُقارب انبعاثات الـ324 حريقا التي اندلعت عام 2018 مجتمعة، ويرجع ذلك إلى أنّ حريق عام 2014 قد اخترق طبقات وقود عميقة للغاية في التربة، وهي طبقات يصعب رصدها بواسطة أنظمة المراقبة عن بُعد". ويتابع شارحًا: "لقد أظهر تحليلنا أنّ بيانات انبعاثات الحرائق العالمية المستخدمة على نطاق واسع في حسابات الكربون وسياسات تغير المناخ، تُقلل بصورة كبيرة من تقدير حجم تلك الحرائق العميقة".
مستقبل الغابات الشمالية
ويطرح إيكدال رؤيته حول مستقبل الغابات الشمالية في عالم يتسارع فيه التغير المناخي؛ قائلًا لـ"العين الإخبارية": "بما أننا قد وجدنا أنّ كميات الوقود والانبعاثات الناتجة عنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمناخ؛ فهذا يُعطينا فكرة عن كيفية تغير الوقود والانبعاثات مع ارتفاع درجات حرارة الأرض". ويُضيف: "مع ذلك؛ فلا يقتصر تأثير تغير المناخ على تغيير الظروف المناخية العامة فقط، بل إنه يزداد مع تقلبات الطقس. على سبيل المثال، قد تسمح السنوات الممطرة بتراكم الوقود، الذي قد يشتعل بشدة إذا أعقبته ظروف جفاف شديدة، وبالفعل قد لاحظنا هذا النمط في حرائق لوس أنجلوس في مطلع عام 2025".
ويتابع إيكدال موضحًا تأثير التقلبات المناخية على مستقبل النظم البيئية؛ قائلًا لـ"العين الإخبارية" إنّ "النظم البيئية تتكيف مع بعض التقلبات المناخية، لكن تزايد التقلبات قد يُرهق قدرتها على التعافي من الإجهاد". ويختتم حديثه مع العين الإخبارية، مشيرًا إلى دراساته الأخرى؛ قائلًا: "تُظهر بعض دراساتنا الأخرى في المنطقة نفسها أنّ الغابات قد تتحول إلى أنواع مختلفة من النظم البيئية بعد الحرائق، وتلك التغيرات ستؤثر على كيفية احتراق الحرائق المستقبلية وكمية الكربون المنبعثة منها".