الاستثمار في التكيف المناخي.. حماية للنمو الاقتصادي
لماذا الاستثمار في التكيف المناخي مهم لحماية النمو الاقتصادي العالمي؟
يشغل "الهدف العالمي بشأن التكيف" المادة رقم 7 من اتفاق باريس، ويهدف إلى تعزيز قدرات المجتمعات المختلفة حول العالم على التكيف مع آثار التغيرات المناخية، وتُقر الأطراف أيضًا بأنّ استراتيجيات التكيف تُشكل تحديًا عالميًا، كما أنه عنصر أساسي للاستجابة العالمية على المدى الطويل.
مع ذلك، وعلى الرغم من الدعوات المستمرة سواء من الدول النامية والدول الأقل نموًا أو من المجتمع المدني والناشطين البيئيين والعلماء بتعزيز التكيّف المناخي، فإن هناك تحديات تُحيل بين الطموح والتنفيذ على أرض الواقع.
ولعل أبرز تلك التحديات، التمويل؛ إذ تتطلب مشاريع التكيّف استثمارات ضخمة، ويصعب الحصول على عائد مباشر وسريع منها، على عكس مشاريع التخفيف، ما يجعل الدول المتقدمة أكثر ميلًا لتمويل مشاريع التخفيف مقارنة بمشاريع التكيف. لكن، هل يمكن أن يكون الاستثمار في التكيف داعمًا للنمو الاقتصادي العالمي؟ حسنًا، هذا موضوعنا.
- صراع خفي في واشنطن.. استبعاد المناخ من أهم اجتماعات التمويل
- سباق علمي لإنقاذ القهوة من المناخ.. سلالات نادرة تُؤمن مستقبل «المزاج»
محاولات
ظهرت العديد من المحاولات لمضاعفة التمويل المناخي المُوجّه نحو دعم التكيّف، ومن أبرز محطاتها "مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ في دورته السادسة والعشرين" (COP26)، والذي استضافته مدينة غلاسكو بالمملكة المتحدة في نهاية العام 2021.
وقتها اتفقت الأطراف على مضاعفة تمويل المناخ على أن يصل إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2025، لكن فشلت الأطراف في تحقيق ذلك؛ إذ بلغ إجمالي التمويل المناخي المُوجه للتكيف نحو 28 مليار دولار عام 2022، وانخفض إلى 26 مليار دولار عام 2023.
معضلة التمويل
وبحلول COP30، الذي استضافته البرازيل على أطراف الأمازون في مدينة بيليم، لم يكن هدف مضاعفة التمويل المخصص للتكيف قد تحقق، الأمر الذي جعل التكيّف أحد الموضوعات الساخنة في محادثات COP30، وأولته رئاسة المؤتمر اهتمامًا خاصًا؛ حتى إنّ رئيس المؤتمر الدبلوماسي المخضرم "أندريه كوريا دو لاغو" أكد أنه "مؤتمر الأطراف للتكيف" (COP of Adaptation).
وخرجت وثيقة الموتيراو من المؤتمر؛ داعية لمضاعفة تمويل التكيف 3 مرات بحلول عام 2035؛ خاصة مع اتساع فجوة تمويل التكيف، بمقدار يتراوح بين 284 و339 مليار دولار؛ وفقًا لـ"تقرير فجوة التكيف لعام 2025: نفاذ الموارد". وعلى الرغم من الجهود المبذولة لدعم تمويل التكيّف، إلا أنّ نتائج COP30؛ وُصفت بالمحبطة. ولم يكن نص الموتيراو ملزمًا بمضاعفة تمويل التكيف 3 مرات.
تجدر الإشارة إلى أنه في كواليس مؤتمرات الأطراف المعنية بتغير المناخ، تدور مناقشات حادة حول تمويل التكيف تحديدًا؛ يرجع ذلك إلى أنّ مشاريع التكيف أكثر تكلفة؛ فهي تتمثل في بناء السدود أو تحسين نظم الري أو حماية السواحل، وغيرهم من المشاريع المكلفة، والتي لا تُحقق أرباحًا مباشرة وسريعة مثل مشاريع الطاقة المتجددة. لذلك، يتجه المستثمرون إلى دعم مشروعات التخفيف. من جانب آخر، يصعب قياس التقدم المحرز في مشاريع التكيّف مقارنة بخفض الانبعاثات من مشاريع التخفيف.
استثمار التكيف
مع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري والآثار المترتبة عليها، تتزايد الحاجة للاستثمار في التكيّف المناخي؛ لحماية النمو الاقتصادي العالمي؛ إذ يُجنب الدول تبعات الظواهر الطقسية المتطرفة الناتجة عن التغيرات المناخية؛ فتقل الخسائر، ما يحمي النمو الاقتصادي عالميًا.
وفي هذا الصدد، تقول "ماريبيل هيرنانديز" (Maribel Hernandez)، كبيرة مستشاري السياسات في المعهد الدولي للتنمية المستدامة (IISD) لـ"العين الإخبارية": "يمكن لتوسيع نطاق حلول التكيف ذات الأثر الكبير أن يُتيح فرصة سوقية تُقدّر بتريليون دولار، ويُوفر أكثر من 280 مليون وظيفة بحلول عام 2035، وهذا يؤكد الدور المحوري للتكيف في التحول الاقتصادي".
وتُشير هيرنانديز إلى تقرير "عوائد المرونة"، وهو تقرير دولي يناقش مدى جدوى الاستثمار في التكيّف المناخي والأرباح الناتجة عنه، وأعدته شركة SYSTEMIQ بالتعاون مع أكثر من 20 شريكًا وبدعم من مؤسسة غيتس، وتقول للعين الإخبارية أنّ هذا التقرير "يؤكد على أنّ التكيف يحقق عوائد اقتصادية ملموسة؛ إذ يحمي مكاسب التنمية، ويدعم خلق فرص العمل والاستثمار الخاص عندما يُدمج المرونة في التخطيط الأساسي وتخصيص رأس المال".
وتتابع: "يستند التقرير إلى أدلة من أكثر من 120 منظمة حول العالم لإعادة صياغة مفهوم التكيف ليس كتكلفة، بل كأجندة استثمارية استراتيجية قادرة على دفع عجلة النمو والتنافسية وخلق فرص العمل في الاقتصادات الناشئة والنامية"، وتختتم حديثها مع العين الإخبارية قائلة: "إنّ هذه النتائج توضح أنّ استثمارات المرونة قادرة على تحقيق فوائد اجتماعية واقتصادية كبيرة بعوائد قوية وقابلة للقياس".