الاقتصاد العاطفي في الصين يتخطى رغبة الشراء.. 655 مليار دولار بحلول 2029
تمتلك ريبيكا تشو، البالغة من العمر 28 عامًا، والمولودة في مقاطعة سيتشوان الصينية، مجموعة متنوعة من منتجات مومين - حقائب، وأكواب.
كما تمتلك تشو تماثيل صغيرة لشخصية الرسوم المتحركة البيضاء التي تشبه فرس النهر، والمنحدرة من فنلندا - والتي جمعتها على مر السنين.
وتعترف تشو بأن العديد من هذه المشتريات قد تبدو "طفولية"، لكنها تقول: "من الجميل أن تدلل نفسك بشيء ممتع، حتى لو لم يكن الأفضل قيمةً مقابل المال".
وتشو ليست الوحيدة في هذا النهج الشرائي المرتبط بالعاطفة أكثر من الحاجة، حيث تُظهر بيانات المحللين والمصادر الرسمية أن المستهلكين الصينيين ينفقون بشكل متزايد على السلع والتجارب التي يختارونها لما لها من تأثير عاطفي أكثر من قيمتها العملية - بدءًا من مدن الملاهي وصولًا إلى المجوهرات.
ولكن ما كان يُعتبر في السابق دافعًا استهلاكيًا غير مفاجئ، بات الآن يُؤخذ على محمل الجد من قِبل قادة الأعمال وصناع السياسات في الصين.

شعور بالتواصل
ودخل مفهوم «الاقتصاد العاطفي» في الصين حيز النقاش العام لأول مرة عام 2024، بعد أن أثارت دمى «لابوبو» من إنتاج شركة «بوب مارت» ضجةً كبيرة، ما بدا وكأنه مؤشر على تحولات في سلوك المستهلك الصيني، حيث بدت فئة من المستهلكين، كانت تُعرف سابقًا بقيم التوفير والواقعية، مستعدةً للإنفاق ببذخ على ملذات الحياة، وفق ما أفادت شبكة سي إن بي سي.
وقالت مؤسسة شركة «تشوزان» للاستشارات الرقمية، آشلي دودارينوك، في ترصحات مع الشبكة «الناس لا يشترون الأشياء فحسب، بل يشترون المشاعر، يشترون الهوية، يشترون شعورًا بالتواصل».
وخلال عطلة رأس السنة الصينية الأخيرة، أظهرت بيانات من شركة ChoZan أن المستهلكين أنفقوا مبالغ أقل بكثير على السلع الأساسية التقليدية، مثل هدايا الطعام الاحتفالية (المعروفة باسم "نيان هو")، وأكثر على النفقات غير التقليدية، مثل تجارب السفر ومستحضرات التجميل، مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2023.
وقالت دودارينوك، "ما كان الناس يشترونه في الماضي، مثل المشروبات الكحولية والمكسرات بالجملة، كان مرتبطًا بالالتزامات الاجتماعية والتقاليد، أما الآن، فيشتري الناس صناديق الهدايا، ويشترون ألعابًا من تصميم مصممين مشهورين، ولا يُنظر إلى ذلك باستياء".
وأضافت دودارينوك أن هذا التحول من الإنفاق الإلزامي إلى الإنفاق الاختياري خلال أكبر عطلة في الصين يُجسد تحولات أوسع في معايير الاستهلاك، حيث يتجه المستهلكون الصينيون بشكل متزايد إلى إشباع رغباتهم في تحقيق الذات، بدلًا من عمليات الشراء "العقلانية".
وبعيدًا عن موسم رأس السنة الصينية، سلط تقرير صادر في فبراير/شباط عن شركة DaXue Consulting الضوء أيضًا على السلع المادية، مثل شموع العلاج العطري ومستحضرات التجميل، باعتبارها قطاعات متنامية في الاقتصاد العاطفي الصيني.
وتشير إحدى التقديرات الصادرة عن مركز أبحاث iiMedia إلى أن الاقتصاد العاطفي في الصين سيتجاوز قيمة 4.5 تريليون يوان (655 مليار دولار) بحلول عام 2029 - أي ما يقرب من ضعف قيمته في عام 2024 - حيث يسعى المستهلكون الصينيون باستمرار إلى "الراحة العاطفية والرضا الروحي".
هل السبب هو زيادة التوتر أم مجرد شعور أكبر بالراحة؟
وبينما لاحظ العديد من المحللين ازدياد الإنفاق العاطفي في الصين، ينقسم المحللون حول الأسباب الكامنة وراء هذا النمو.
وتُعزى التفسيرات الأكثر شيوعًا إلى أن الإنفاق العاطفي هو نوع من الاستجابة للتوتر.
وقالت مستشارة استراتيجية من شركة داكسو للاستشارات، أليسون مالمستين، في تصريحات لـ سي إن بي سي، إن الطرق التقليدية لتحقيق السعادة في الصين - كشراء منزل وسيارة، والاستقرار وتكوين أسرة - أصبحت "مكلفة للغاية".
وبالتزامن مع تدهور سوق الإسكان في الصين - المتوقع أن يزداد سوءًا في عام 2026 - ارتفع التضخم الاستهلاكي أيضًا إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات في فبراير/شباط، وفقًا للمكتب الوطني للإحصاء في الصين.
كما تزامن ارتفاع تكاليف المعيشة في الصين مع انخفاض معدلات المواليد إلى مستويات قياسية في عام 2025، مما زاد من الشعور المتزايد بالوحدة لدى الكثيرين في البلاد.
وقالت دودارينوك إن هذه الضغوط المتراكمة قد غرست في نفس المستهلك الصيني العادي "شعورًا بالأزمة"، ما دفع الكثيرين إلى توجيه إنفاقهم نحو الأشياء التي "تُدخل السرور إلى قلوبهم".
لكن بالنسبة لـ "بو تشين"، الباحث الرئيسي في معهد شرق آسيا التابع لجامعة سنغافورة الوطنية، فإن هذا الشعور بالكآبة ليس سوى جزء من الحقيقة.
ويرى تشين أن الإرث الهيكلي لسياسة الطفل الواحد في الصين غالبًا ما ركّز موارد الأسرة من الوالدين (والأجداد الأربعة) على جيل من الأطفال الذين يعيشون بمفردهم في الغالب.
وأدى هذا التركيز للثروة العائلية - والذي يُطلق عليه أحيانًا "تأثير الجيوب الستة" - إلى ظهور جيل أصغر سنًا من المستهلكين الصينيين يتمتعون بدعم مادي من عائلاتهم على نحو لم يكن متاحًا للأجيال السابقة، ما منحهم حرية أكبر في تمويل رغباتهم المادية.
وفي دراسة أُجريت عام 2021، وُجد أن استمرارية الدخل بين الأجيال - وهو مقياس لكيفية تأثير الرفاه الاجتماعي والاقتصادي للوالدين على رفاه أبنائهم - في الصين قد ازدادت منذ عام 1979، لا سيما بين سكان المدن.
ووجدت دراسة أخرى أجريت على مشتري المنازل في شنغهاي أن حتى أولئك الذين لديهم مدخرات شخصية كبيرة يعتمدون بشكل كبير على دعم الوالدين لتمويل مشترياتهم.
الإنفاق العاطفي يغير آلية التسوق بالمراكز التجارية
ويقول تقرير سابق لموقع "ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، أن المتاجر المصنعة للألعاب الشهيرة التي حظيت بتعلق عاطفي من جانب المستهلكين، تتزايد مساحاتها داخل كبرى المراكز التجارية "المولات" في أنحاء الصين.
ويقول التقرير، أنه في مركز تسوق بوسط مدينة ووهان، افتتح متجر جديد لـ "بوب مارت" في موقع كان يشغله سابقًا متجر "إير جوردان".
وعندما افتتاح المتجر، المشهور بدمى "لابوبو" الرائجة، مطلع العام الجاري، أصبح بجوار متجر "تيفاني آند كو" ومقابل متجر "برادا" في الطابق الأرضي - وهي مساحة كانت مخصصة تقليديًا لموردي الملابس والمجوهرات ومستحضرات التجميل الفاخرة.
ولا يُعدّ هذا المركز التجاري في عاصمة مقاطعة هوبي بوسط الصين حالةً فريدة، فمتجر "بوب مارت" وغيره من مصنّعي الألعاب القابلة للجمع، مثل "جيليكات" و"توب توي"، يستحوذون بشكل متزايد على مواقع مميزة، في ظلّ تبنّي مراكز التسوق الصينية لواقع جديد، حيث ينفق المستهلكون مبالغ أقل إجمالًا، لكنهم أكثر استعدادًا للدفع مقابل مشتريات صغيرة تُشعرهم بالرضا العاطفي.
ويؤكد على ذلك، جاكي تشو، رئيس قسم أبحاث التجزئة في شركة "جيه إل إل" في الصين، الذي قال للموقع الصيني أن الإنفاق العاطفي، أو السعي وراء الإشباع غير المادي، يعيدان تشكيل مراكز التسوق في الصين.
ويتساءل، "من أين يأتي هذا الإشباع؟ قد تكون الألعاب القابلة للجمع الرائجة أحدها".