أوروبا تدرس «الدفاع المشترك» خارج الناتو
تعيد أوروبا النظر في خياراتها للدفاع الجماعي، في ظل استمرار تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (ناتو).
ويتزايد قلق الدول الأوروبية بشأن التزام الرئيس الأمريكي بالحلف والدفاع المشترك الذي يضمنه، لذا بدأ الحديث بجدية أكبر عن الضمانات الخاصة للدفاع الجماعي داخل الاتحاد الأوروبي والذي يشير إليه بند غير مشهور مدرج في وثائق التكتل.
وأشارت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إلى المادة 42.7 من معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي والتي اعتبرها الكثيرون غير قابلة للتطبيق، وغير ضرورية في ظل حلف الناتو.
ووفقا للصحيفة فإن هذه المادة تلزم الدول الأعضاء بتقديم مساعدات عسكرية وإنسانية ومالية للدول الأعضاء الأخرى في حال وقوع هجوم وقد تم وضع هذه المادة لتكمل عمل الناتو، ولم يتم استخدامها إلا مرة واحدة، عندما لجأت إليها فرنسا عقب الهجمات الإرهابية التي وقعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2015.
لكن مع تهديد ترامب المتكرر بالانسحاب من الناتو، فإن هذه اللحظة تعيد تشكيل الحلف والاتحاد الأوروبي بشكل جذري بحسب كاميل غراند، المسؤول السابق في حلف الناتو والأمين العام لرابطة الصناعات الدفاعية الأوروبية الذي قال إن الموقف المتغير لإدارة ترامب "يحتم ضرورة الدفاع عن أوروبا بتدخل أمريكي أقل".
وخلال الاجتماع غير الرسمي لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص، تضمن جدول أعمالهم مناقشة بند معاهدة لشبونة كما يعتزم القادة إجراء تدريب عملي الشهر المقبل، حيث سيدرس كبار الدبلوماسيين المعنيين بالشؤون الأمنية كيفية تطبيقه عمليًا.
لكن وزير خارجية بولندا ووزير الدفاع السابق، رادوسلاف سيكورسكي، شكك في جدوى هذا التدريب، وقال "لا يمكن تحقيق دفاع أوروبي جاد دون تعديل المعاهدة، وهذا غير ممكن حاليًا".
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع تمويل العمليات العسكرية من ميزانيته، وأن الدول الأعضاء مترددة في إشراك قواتها وأموالها في عملية لا تستطيع السيطرة عليها بشكل مباشر.
وأوضح أن كل دولة لها متطلباتها القانونية الخاصة، وشروطها، وقيودها المتعلقة بقواعد الاشتباك، فضلًا عن وجود مشكلات لغوية وارتباك متأصل حول الجهة المسؤولة عن قيادة أي عملية أوروبية شاملة. وأضاف: "أشعر باليأس حيال ما يجب أن يحدث لنأخذ الدفاع على محمل الجد".
والواقع أن المادة الخامسة الشهيرة للناتو، التي تلزم الدول الأعضاء بالدفاع الجماعي، لا تشترط في الواقع سوى التشاور بشأن كيفية الرد على أي هجوم. كما أنه لم يتم استخدامها إلا مرة واحدة، عندما تم تفعيلها للمساعدة في الدفاع عن الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.
في المقابل، تبدو المادة 42.7 للاتحاد الأوروبي أقوى من الناحية النظرية لأنها تلزم الأعضاء بتقديم المساعدة لأي دولة عضو تتعرض لهجوم.
لكن حلف الناتو منظمة ذات هدف واحد، وهو الدفاع فقط، وتعتمد آلية مبسطة لاتخاذ القرارات، وهيكلًا هرميًا واضحًا، وقوةً مهيمنةً واحدةً هي الولايات المتحدة التي تعد صاحبة القرار.
أما الاتحاد الأوروبي فهو على النقيض من ذلك "آلية للتسوية" أكثر تعقيدًا وأقل كفاءةً بكثير، وفقا لـ"يان تيشاو"، المسؤول الدفاعي الألماني السابق ومحلل الأمن الأوروبي في مجموعة أوراسيا الاستشارية.
وقال تيشاو إنه عند الحديث عن الأمن الأوروبي، يرى البعض في بند الاتحاد الأوروبي "الحل الأمثل"، لكنني لا أعتقد أن هناك مستقبلًا واعدًا لهذا الأمر، لأنه لا أحد يرغب حقًا في إدارة الأمن الأوروبي من خلال هياكل التكتل فهي معقدة للغاية.
ويسعى الأوروبيون أيضًا إلى تعزيز فكرة "تحالف الراغبين"، الذي ناقش نشر قوات أوروبية في أوكرانيا لمراقبة أي تسوية سلمية.
وبقيادة بريطانيا وفرنسا، تم استخدام النموذج نفسه لمناقشة مساهمة أوروبية في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا بعد انتهاء الأعمال العدائية.
ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يرى بعض المحللين أن هذا التحالف الناشئ يشكل أساسًا لركيزة أوروبية أقوى داخل حلف الناتو، قادرة أيضًا على العمل خارجه.
وبالنسبة لدول غير أعضاء في الناتو، مثل إيرلندا والنمسا ومالطا، يكتسب بند الاتحاد الأوروبي أهمية إضافية لكن بعض دول التكتل وخاصة من أوروبا الوسطى ودول البلطيق، تخشى أن يمنح النقاش حول الدفاع الجماعي الأوروبي ذريعة لترامب لتقليص التزاماته تجاه الحلف.
وأدى توجه الاتحاد الأوروبي نحو الدفاع في توترات مع الدول الأعضاء والمؤسسات القائمة، مثل حلف الناتو وأشار غراند إلى احتمال تزايد الخلافات وقال إن "إعادة تنظيم التحالفات قد تخلق احتكاكات"، مضيفًا أنه إذا تعاونت الأطراف المعنية، فسيكون الردع الأوروبي أكثر فعالية ومصداقية.