أوروبا تبحث عن استقلالها الرقمي بعيدا عن قبضة التكنولوجيا الأمريكية
أكد مسؤولٌ أوروبي لشبكة CNBC أن السيادة الرقمية لأوروبا أصبحت "مسألة بقاء وطني"، وذلك في ظل سعي القارة الحثيث للتخلص من هيمنة الخدمات الرقمية الأمريكية على بنيتها التحتية، وسط توترات جيوسياسية.
وقد برز اعتماد المنطقة على التكنولوجيا الأمريكية والحماية العسكرية بشكل جلي، مع تدهور علاقتها بإدارة الرئيس دونالد ترامب، وسط تحديات من الصين وروسيا.
وأثار ترامب قلق أوروبا بفرضه تعريفاتٍ جمركية العام الماضي بعد عودته إلى البيت الأبيض.
وفي هذا العام، زاد من حدّة القلق برفضه الاستفزازي استبعاد العمل العسكري لضم غرينلاند، وهي منطقة دنماركية شبه مستقلة، قبل أن يتراجع عن ذلك في نهاية المطاف.
وتهيمن شركات الحوسبة السحابية الأمريكية على السوق الأوروبية بحصةٍ تبلغ 85%، وفقًا لبيانات مجموعة سينرجي للأبحاث.
ويحذر النقاد من أن هذا الاعتماد على مزوّدي خدمات غير سياديين يشكّل خطرًا في ظل تقارير عن تزايد الهجمات الإلكترونية الروسية وتصاعد التوترات الجيوسياسية مع الإدارة الأمريكية.
وبموجب قانون الحوسبة السحابية لعام 2018، يمكن لأجهزة إنفاذ القانون في البلاد طلب بيانات المستخدمين من الشركات الأمريكية، بغضّ النظر عن مكان تخزين البيانات.
وأعلنت إستونيا لشبكة CNBC أنها تُسرّع من وتيرة تطبيق مبدأ «المصادر المفتوحة أولًا» بسبب «تزايد التهديدات الأمنية على الجبهة الشرقية لأوروبا». وقد أثار الغزو الروسي الشامل لـأوكرانيا مخاوف من استهدافها لدول البلطيق، بما فيها إستونيا.
وقالت وزيرة العدل والشؤون الرقمية في البلاد، ليسا باكستا: «لقد جعل هذا السيادة الرقمية مسألة بقاء وطني، وليست مجرد سياسة تقنية معلومات».
وأبلغت حكوماتٌ أوروبية أخرى شبكة CNBC أنها تبحث عن بدائل محلية ومفتوحة المصدر لمنصات التكنولوجيا الأمريكية، وأنها تزيد ميزانياتها المخصصة للسيادة الرقمية.
وقال متحدثٌ باسم وزارة التحول الرقمي وتحديث الحكومة الألمانية لشبكة CNBC: "يُعدّ تعزيز السيادة الرقمية أحد الأهداف الرئيسية" للحكومة الألمانية الحالية، مشيرًا إلى «التطورات الجيوسياسية» التي شهدتها السنوات الأخيرة.
ووصفوا الوضع الراهن بأنه "شديد التقلبات والنزاعات المستمرة"، مضيفين أن العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وأوروبا تُثير تساؤلات حول جدوى الهياكل متعددة الأطراف.
لكن أمازون ومايكروسوفت وغوغل تسيطر على أكثر من 70% من سوق الحوسبة السحابية في المنطقة، بينما تستحوذ الشركات الأمريكية على 59% على الأقل من سوق برامج المؤسسات.
ووفق تقريرٍ لموقع يورو نيوز، في يناير/كانون الثاني، أعلنت فرنسا عزمها إطلاق برنامج Visio، وهو أداةٌ لعقد مؤتمرات الفيديو طوّرتها الحكومة، والذي قالت إنه سيكون متاحًا لجميع الخدمات الحكومية بحلول عام 2027، ليحلّ محل الأدوات الأمريكية مثل Microsoft Teams وZoom.
وفي الشهر نفسه، صرّح الاتحاد الأوروبي بأنه يواجه "مشكلة كبيرة تتمثل في الاعتماد على دولٍ خارج الاتحاد في المجال الرقمي، مما قد يُؤدي إلى ثغراتٍ أمنية، بما في ذلك في القطاعات الحيوية".
وفي نوفمبر/كانون الثاني، وقّعت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، البالغ عددها 27 دولة، إعلانًا يُعبّر عن "طموحها المشترك لتعزيز السيادة الرقمية لأوروبا" وتقليل "الاعتماد الاستراتيجي".
وتوقّع تقريرٌ حديث صادر عن شركة الأبحاث غارتنر أن يتجاوز الإنفاق على منصات البنية التحتية السحابية السيادية كخدمة في الدول الأوروبية ثلاثة أضعاف ليصل إلى 23 مليار دولار أمريكي في أوروبا عام 2027، مقارنةً بمستويات عام 2025، وهو ما يُمثل زيادةً أكبر بكثير من تلك المُسجلة في أمريكا الشمالية والصين.
وقال كبير محللي شركة غارتنر، رينيه بوست: "مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، تستثمر المنظمات خارج الولايات المتحدة والصين بشكلٍ متزايد في البنية التحتية السحابية السيادية (IaaS) لتحقيق الاستقلال الرقمي والتكنولوجي".
وأضاف: "ستظل الحكومات هي الجهة الرئيسية المستهلكة لتلبية احتياجات السيادة الرقمية، تليها القطاعات الخاضعة للتنظيم ومؤسسات البنية التحتية الحيوية، مثل الطاقة والمرافق والاتصالات".
ولن تختفي منصات التكنولوجيا الأمريكية من أوروبا في أي وقتٍ قريب، ففي تصريحاتها لشبكة CNBC، أكدت العديد من الدول الأوروبية حرصها على مواصلة العمل مع شركات التكنولوجيا الأمريكية في جوانب معينة من بنيتها التحتية الرقمية.
وقال باكستا، من إستونيا: "نُدرك ونُقدّر الدور المحوري الذي لعبته شركات التكنولوجيا الأمريكية في التحول الرقمي لأوروبا؛ تُعدّ شركات الحوسبة السحابية الأمريكية العملاقة شركاء مهمين وموثوقين في منظومة الحوسبة السحابية الأوروبية".
وحتى لو أرادت أوروبا إزالة الأنظمة الرقمية الأمريكية بالكامل من بنيتها التحتية التكنولوجية، فمن غير المرجّح أن يحدث ذلك في المستقبل القريب.
وقال كبير المحللين في مجموعة سينرجي للأبحاث، جون دينسديل، لشبكة CNBC: "لكي تصبح لاعبًا رائدًا، عليك أن تستثمر باستمرار مبالغ طائلة في البحث والتطوير، وتطوير الخدمات، والبنية التحتية التقنية، ودعم العملاء، وشركاء التوزيع".
وأضاف: "سيكون من الصعب للغاية على مزوّدي خدمات الحوسبة السحابية الأوروبيين تغيير اتجاه حصة السوق بشكلٍ ملموس".