مع تراجع الخصوبة وتزايد الشيخوخة.. أوروبا أسيرة العمالة المهاجرة حتى 2050
كشفت تعديلات قررتها الحكومة البريطانية في فريق المستشارين الاقتصاديين عن توجه اقتصادي محتمل بخصوص أزمة الأيدي العاملة من المهاجرين.
وكانت وزيرة الخزانة راشيل ريفز قد قررت تعيين الأكاديمي البارز برايان بيل المشهور بأبحاثه الساعية إلى توطين الوظائف وتقليل الاعتماد على الأيدي العاملة المهاجرة.
ويتصل ذلك بنقاش واسع حول معدل اعتماد القارة الأوروبية على العمالة الأجنبية، لا سيما في ظل أزمة الشيخوخة وانخفاض معدلات المواليد.
وتشهد أوروبا تحوّلًا ديموغرافيًا عميقًا مع تسارع شيخوخة السكان وانخفاض عدد المواليد، وهو ما جعل العمالة المهاجرة عنصرًا أساسيًا للحفاظ على النمو الاقتصادي واستمرارية قطاعات الإنتاج والخدمات.
وتشير بيانات المؤسسات الأوروبية إلى أن القارة باتت تعتمد بدرجات متفاوتة على العمالة الوافدة، ليس فقط لسد فجوات العمل منخفض المهارات، بل أيضًا لتعويض النقص المتزايد في الوظائف المتخصصة، ما يجعل الهجرة الاقتصادية إحدى أهم أدوات التوازن في سوق العمل الأوروبي خلال العقود المقبلة.
اعتماد متزايد على العمالة المهاجرة
ووفق بيانات أعدّتها المفوضية الأوروبية وهيئة الاتحاد المعنية بشؤون الهجرة والعمل، ونشرها موقع "ETIAS" في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، فإن أحدث الأرقام تشير إلى أن حوالي 2.9 مليون عامل من خارج دول الاتحاد الأوروبي كانوا جزءًا من القوة العاملة في التكتل في عام 2023، أي ما يعادل نحو 6% من إجمالي القوى العاملة، ارتفاعًا من 2% في عام 2010. وهذه الزيادة تُظهر مساهمة هامة للعمال المهاجرين في سوق العمل.
وتعكس هذه الأرقام وضعًا معقّدًا في سوق العمل، فبينما يغلق الاتحاد الأوروبي فجوات كبيرة في التوظيف ويقترب من أهدافه، مثل وصول معدل التشغيل إلى 78% للأشخاص من سن 20–64 بحلول عام 2030، فإن مشاركة المهاجرين تُعدّ من العوامل الرئيسة لتحقيق هذا التقدّم.
على المستوى الوطني، شهدت البرتغال تضاعف عدد العمال الأجانب أكثر من ثلاث مرات بين عامي 2017 و2022، حيث غطّت مساهمات المهاجرين 17% من تكاليف المعاشات والتقاعد في البلاد. وفي التشيك، أظهرت بيانات صادرة عن وزارة العمل أن المستفيدين من نظام الحماية المؤقتة من أوكرانيا كانوا في بعض الأحيان يساهمون في الضرائب بأكثر مما يتلقّونه من مزايا.
وتُظهر البيانات أيضًا أن العدد الأكبر من الوظائف الشاغرة — في قطاعات مثل الزراعة، البناء، الرعاية الصحية والنقل — لا يمكن شغلها بالكفاءة المطلوبة دون مساهمة العمل المهاجر، لا سيما في ظل انخفاض معدلات الولادات وشيخوخة السكان.
أزمة ديموغرافية
يأتي هذا بينما تواجه أوروبا واحدة من أسرع موجات الشيخوخة في العالم. ووفقا لبيانات من البنك الدولي، فبحلول عام 2050، يُتوقع أن يشكل الأشخاص فوق سن 65 نحو ٢٥% من السكان، مقارنة بنحو 21% حاليًا.
ويعود ذلك إلى انخفاض معدل الخصوبة إلى نحو 1.5 طفل لكل امرأة في المتوسط، وهو أقل بكثير من المستوى المطلوب للحفاظ على استقرار السكان.
هذا التحول يعني أن عدد المتقاعدين سيرتفع بوتيرة أسرع من عدد العاملين، ما يضغط على أنظمة الضمان الاجتماعي والمعاشات والرعاية الصحية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أوروبا قد تحتاج إلى عشرات الملايين من العمال الجدد بحلول 2040 فقط للحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية.
كما تشير تقديرات المفوضية الأوروبية إلى أن أكثر من 70% من النمو السكاني في أوروبا خلال العقدين الماضيين جاء نتيجة الهجرة، وليس الزيادة الطبيعية، وهو ما يوضح الدور المحوري للمهاجرين في استقرار سوق العمل.
لكن رغم أهميتها الاقتصادية، تظل الهجرة قضية حساسة سياسيًا في أوروبا، إذ تواجه الحكومات ضغوطًا من تيارات شعبوية تطالب بتشديد القيود. ويعكس هذا التوتر معادلة صعبة: فبينما تحتاج الاقتصادات الأوروبية إلى العمالة الأجنبية، يواجه صناع القرار تحديات تتعلق بالاندماج الاجتماعي وتوازن سوق العمل المحلي.