«غاليليو» الأوروبي يهزم GPS بالدقة.. ويصطدم بهيمنة غوغل وأبل
رغم امتلاك أوروبا نظام ملاحة متطورًا مثل “غاليليو” وخرائط رسمية عالية الدقة عبر المعهد الجغرافي الوطني الفرنسي، لا يزال المستخدمون يعتمدون فعليًا على خدمات غوغل وأبل.
ويكشف تحقيق كيف تسيطر شركات التكنولوجيا الكبرى على بيانات الموقع وتحدّ من الاستفادة الكاملة من البدائل الأوروبية الأكثر دقة، بحسب شبكة "سي.نيوز" الفرنسية.
في الظروف العادية، يوفر نظام الملاحة الأوروبي “غاليليو” أداءً يفوق نظيره الأمريكي GPS بمرتين إلى ثلاث مرات، إذ يمكن أن تصل دقته إلى أقل من 25 سنتيمترًا عبر خدمة الدقة العالية، وهي خدمة مجانية ومتاحة للجميع.
خوادم غوغل وأبل
ومع ذلك، تمر بيانات الموقع على الهواتف الذكية عبر خوادم غوغل وأبل، بينما يظل المعهد الوطني للمعلومات الجغرافية والغابات، الممول حكوميًا، شبه غائب عن معظم الخدمات الرقمية.
يعد مجال تحديد المواقع من المجالات النادرة التي تمكنت فيها أوروبا من بناء بنية تحتية تنافس الولايات المتحدة. لكن بين إشارة القمر الصناعي والخريطة التي تظهر على شاشة الهاتف، تستعيد شركات التكنولوجيا الأمريكية السيطرة.
وتم تطوير نظام GPS في سبعينيات القرن الماضي من قبل وزارة الدفاع الأمريكية، ولا تزال واشنطن قادرة تقنيًا على تقليل دقته في حالات الأزمات.
في المقابل، صمم "غاليليو" كنظام مدني مستقل لا يمكن التلاعب بإشارته خارج أوروبا، وهو أحد أهدافه الأساسية.
غاليليو أدق 3 مرات في تحديد المواقع
من حيث الأداء، يحقق "غاليليو" دقة تصل إلى 1.5 متر مقارنة بـ3 إلى 5 أمتار لنظام GPS التقليدي. ومع إطلاق خدمة HAS في يناير/ كانون الثاني 2023، أصبحت الدقة أقل من 25 سم بشكل فوري ودون اشتراك، ما يمثل تقدمًا كبيرًا في مجالات مثل الزراعة الدقيقة والهندسة المدنية والملاحة الحضرية.
ورغم استثمار الاتحاد الأوروبي نحو 10 مليارات يورو في هذا البرنامج، ووجود مليارات الهواتف المتوافقة معه، فإن المستخدم لا يستطيع التحكم في النظام الذي يعتمد عليه جهازه.
فالهواتف الذكية تستخدم شرائح "جي إن إس إس" القادرة على استقبال عدة أنظمة (GPS، غاليليو، GLONASS، BeiDou)، لكن نظام التشغيل هو من يحدد الأولوية بينها دون شفافية.
كما تعتمد الأجهزة على تقنية A-GNSS، التي تستعين بخوادم غوغل أو أبل لتسريع تحديد الموقع، ما يعني أن البنية التحتية الأمريكية تظل حاضرة حتى عند استخدام "غاليليو".
ولا تتيح تطبيقات مثل غوغل ماب معرفة مصدر الإشارة أو تفضيل نظام على آخر، إذ تُتخذ هذه القرارات داخل أنظمة مغلقة.
وعند ضعف الإشارة، تعتمد الهواتف على قواعد بيانات Wi-Fi الخاصة بالشركتين، والتي جُمعت عبر سيارات Street View وأجهزة المستخدمين، دون وجود بديل أوروبي مماثل.
هبمنة اقتصادية
من جانب آخر، تستفيد غوغل اقتصاديًا من بيانات الموقع، حيث تجمع معلومات دقيقة عن تحركات المستخدمين وتستثمرها في الإعلانات الموجهة وخدمات مثل “أوقات الذروة” وحركة المرور. ورغم فرض غرامات عليها بسبب ممارسات مضللة، لا تزال عملية جمع البيانات مستمرة.
أما تطبيق "وايز"، المملوك لغوغل، فيشارك بيانات حركة المرور مع السلطات المحلية مقابل معلومات عن الطرق، لكن دون منح هذه الجهات أي تحكم في خوارزميات التوجيه.
في المقابل، يواصل المعهد الجغرافي الفرنسي تطوير خرائط دقيقة مثل BD TOPO ومنصات مثل "جيو بورتال" و”Cartes IGN”، التي توفر تغطية متميزة للمناطق الريفية والمسارات. ومع ذلك، تفضل العديد من الجهات العامة استخدام غوغل ماب بسبب سهولة دمجه وانتشاره، في غياب أي إلزام قانوني باستخدام بدائل سيادية.
وتوجد بدائل أخرى مثل OpenStreetMap وتطبيقات تعتمد عليه، تقدم خدمات بدون إعلانات أو جمع بيانات، وتدعم “غاليليو” بشكل مباشر، وقد بدأت بعض الدول الأوروبية باستخدامها.
ورغم دخول قانون البيانات الأوروبي حيز التنفيذ في 2025، والذي يسمح نظريًا للسلطات بطلب بيانات من الشركات الخاصة، لا تزال آليات تطبيقه غير واضحة، ولم يتم استخدامه فعليًا في فرنسا حتى الآن.
في النهاية، تمتلك أوروبا أنظمة ملاحة وخرائط متقدمة ومستقلة، لكن الواقع الرقمي الحالي يجعل بيانات المستخدمين تصب في صالح شركات التكنولوجيا الأمريكية، في ظل غياب سياسات ملزمة تدعم السيادة الرقمية الأوروبية.