الحر يقتل في أوروبا.. ألمانيا وفرنسا وهولندا تسجل حصيلة صادمة
تواصل موجة الحر الشديدة ضرب عدد من الدول الأوروبية، مخلفة ارتفاعًا واضحًا في الوفيات المرتبطة بالإجهاد الحراري والغرق.
وفي ألمانيا، أعلن معهد روبرت كوخ تسجيل أكثر من 800 وفاة مرتبطة بالحر منذ بداية العام وحتى 21 يونيو، أي قبل ذروة موجة الحر الأخيرة، مشيرًا إلى أن كبار السن كانوا الفئة الأكثر تضررًا، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة وتراجع قدرة الجسم على تنظيم الحرارة مع التقدم في العمر.
وفي فرنسا، كشفت وزيرة الرياضة والشباب، مارينا فيراري، أن عدد وفيات الغرق ارتفع إلى أكثر من 90 حالة منذ 19 يونيو، بالتزامن مع لجوء أعداد كبيرة من السكان إلى الشواطئ والأنهار والبحيرات هربًا من الحر الشديد. وأكدت أن أغلب الحوادث وقعت في مسطحات مائية مفتوحة، وشملت فئات عمرية مختلفة، ما دفع السلطات إلى تشديد التحذيرات من السباحة العشوائية أو النزول إلى المياه دون رقابة.
أما في هولندا، فأعلنت السلطات الصحية تسجيل نحو 480 وفاة زائدة خلال الفترة من 22 إلى 28 يونيو، وهي وفيات تتجاوز المعدلات الطبيعية المتوقعة في مثل هذا الوقت من العام. وتركزت أغلب الحالات بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا فأكثر، خصوصًا في جنوب وشرق البلاد، حيث اقتربت درجات الحرارة من 40 درجة مئوية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تأثير موجات الحر لا يقتصر على ضربات الشمس المباشرة، بل يمتد إلى تفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي والكلى، وزيادة مخاطر الجفاف، خاصة بين كبار السن والمرضى والأطفال والعاملين في الأماكن المفتوحة.
وتزامنت الموجة الحالية مع تسجيل درجات حرارة قياسية في عدة دول أوروبية، بينها فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبولندا والتشيك، وسط تحذيرات من اضطرابات في النقل والطاقة وارتفاع مخاطر حرائق الغابات. وذكرت تقارير أن فرنسا وحدها سجلت نحو 1000 وفاة زائدة خلال موجة الحر، في حين سجلت إسبانيا أكثر من 1000 وفاة إضافية خلال يونيو.
ويحذر العلماء من أن تغير المناخ يزيد تكرار وشدة موجات الحر في أوروبا، التي تُعد من أسرع مناطق العالم احترارًا. وتؤكد دراسات مناخية أن موجات الحر الأوروبية أصبحت أكثر احتمالًا وأشد قسوة بسبب انبعاثات الوقود الأحفوري، ما يجعل الاستعداد الصحي والبنية التحتية للتبريد والإنذار المبكر أولوية عاجلة.
وتواجه الحكومات الأوروبية تحديًا مزدوجًا؛ فمن ناحية تسعى إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة عبر فتح مراكز تبريد وتكثيف زيارات الرعاية المنزلية وتحذير السكان من التعرض المباشر للشمس، ومن ناحية أخرى تحاول التعامل مع الآثار غير المباشرة للحر، مثل زيادة حوادث الغرق، والضغط على المستشفيات، وتعطل بعض الخدمات العامة.
وتؤكد السلطات الصحية أن أكثر الفئات عرضة للخطر هم كبار السن، ومرضى القلب والضغط والسكري، والأطفال، والحوامل، والعاملون في الشوارع والمزارع ومواقع البناء. كما أن العيش في مساكن غير مجهزة بوسائل تهوية أو تبريد يزيد خطر الوفاة خلال موجات الحر الطويلة.
ومع استمرار التوقعات بارتفاع درجات الحرارة في أجزاء من أوروبا خلال الأيام المقبلة، تتزايد المخاوف من اتساع الحصيلة البشرية، خصوصًا إذا استمرت الموجة لعدة أيام متتالية خلال الليل والنهار، لأن عدم انخفاض الحرارة ليلًا يمنع الجسم من التعافي من الإجهاد الحراري.
ويرى خبراء الصحة العامة أن موجة الحر الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة أوروبا على التكيف مع المناخ الجديد، في ظل تكرار الظواهر الجوية المتطرفة وتحولها من أحداث استثنائية إلى أزمات موسمية متكررة تهدد الأرواح والاقتصاد والبنية التحتية.