هجرة نووية نحو واشنطن.. شركات أوروبية تنقل عملياتها لأمريكا هربا من شح التمويل
تستعد الشركات الأوروبية الناشئة الرائدة في مجال الطاقة النووية لنقل عملياتها إلى الولايات المتحدة، سعيا للحصول على تمويل أكبر ودعم حكومي أقوى، محذرة من أنها تخسر السباق أمام منافسين يمتلكون موارد مالية ضخمة في معركة تطوير هذه التكنولوجيا المتقدمة.
وقد حفّز حماس الرئيس دونالد ترامب لهذا القطاع، إلى جانب الإمكانات الواعدة للجيل الجديد من المفاعلات المعيارية الصغيرة، اهتمام المستثمرين الأمريكيين بآفاق هذه التكنولوجيا، التي يأملون أن تسهم في دعم طفرة الذكاء الاصطناعي المتوقعة.
وساهم هذا التوجه في ارتفاع تقييمات بعض شركات تطوير الطاقة النووية الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة، كما مكّن شركات أخرى من جمع مئات الملايين من الدولارات، متجاوزةً بفارق كبير حجم التمويل المتاح في أوروبا، حيث واجهت عدة شركات ناشئة أزمات حادة في السيولة.
وأكد مطورو المفاعلات النووية المتقدمة في أوروبا، في تصريحات لصحيفة فايننشال تايمز، أن نقل أجزاء من أعمالهم إلى الولايات المتحدة أو إنشاء عمليات جديدة هناك بات أمرًا لا غنى عنه، إذا أرادوا البقاء في دائرة المنافسة العالمية أمام الشركات الصينية.
وتتطلع شركة «نيوكليو»، وهي شركة ناشئة فرنسية-إيطالية تعمل على تطوير مفاعلات مبردة بالرصاص تستخدم النفايات النووية وقودًا لها، إلى الولايات المتحدة لتأمين ما يصل إلى ثلث احتياجاتها المستقبلية من الطاقة النووية، بما في ذلك موقع محتمل لتصنيع الوقود في ولاية كارولاينا الجنوبية.
وصرّح الرئيس التنفيذي للشركة، ستيفانو بونو، بأن الولايات المتحدة ستحل محل المملكة المتحدة في خطط «نيوكليو»، بعد أن قررت الشركة الانسحاب من السوق البريطانية خلال العام الماضي.
وأضاف بونو: «لم نتلقَّ أي دعم في المملكة المتحدة، ولم تكن الحكومة تدعم المفاعلات المعيارية المتقدمة بشكل فعلي».
وكانت المملكة المتحدة قد اختارت شركة «رولز رويس»، المتخصصة في صناعات الطيران والدفاع والطاقة، لبناء أسطول مستقبلي من المفاعلات النووية، وحصلت الشركة على تعهدات تمويلية نتيجة لذلك، إلا أن تصاميمها تعتمد على مفاعلات الماء المضغوط التقليدية، بدلًا من التقنيات التجريبية الأحدث.
من جانبها، قالت كيكي لاورز، الرئيسة التنفيذية لشركة «ثوريزون» الفرنسية-الهولندية، وهي شركة أخرى تسعى للاستفادة من ازدهار سوق أمريكا الشمالية: «من الواضح أن الولايات المتحدة تدعم الطاقة النووية المتقدمة بقوة، على عكس أوروبا».
وأشارت لاورز إلى الدعم السخي الذي تقدمه وزارة الطاقة الأمريكية لشركات الطاقة النووية المحلية، مثل شركة «إكس-إنرجي» المدعومة من أمازون، أو شركة «تيرا باور» التابعة لبيل غيتس، التي حصلت على تمويل بلغ ملياري دولار لبناء مفاعلها الأول، إلى جانب تمويل كبير من القطاع الخاص، مؤكدة أن أوروبا تفتقر إلى رأس المال الكافي لتقديم دعم مماثل.
وشركة أخرى واجهت أزمة مشابهة هي شركة «ناريا» الفرنسية الناشئة في مجال الطاقة النووية، التي عانت صعوبة في جمع التمويل، واضطرت إلى الدخول في إجراءات الإفلاس في سبتمبر/أيلول الماضي، في خطوة تهدف إلى حمايتها من الدائنين.
ومن المقرر أن تصدر المحكمة هذا الأسبوع حكمها بشأن عرض استحواذ تقدمت به مجموعة «إينيريس» لمعالجة النفايات، ومقرها لوكسمبورغ وبولندا، ما يترك مستقبل الشركة وخطواتها التالية معلّقًا.
وكان الرئيس التنفيذي للشركة، جان لوك ألكسندر، قد أبدى تطلعًا واضحًا إلى نقل العمليات إلى الولايات المتحدة، قائلاً لصحيفة فايننشال تايمز في أواخر العام الماضي إن هذا هو المكان الذي يمكن لشركات الطاقة النووية أن «تنمو فيه بشكل أسرع».
وقد نجحت الشركة، التي تهدف إلى استخدام الملح السائل كمبرّد للمفاعل، في جمع تمويل أولي بقيمة 100 مليون يورو من مكاتب عائلية في فرنسا، إضافة إلى 10 ملايين يورو من برنامج حكومي فرنسي عام 2023، إلا أنها قدّرت احتياجاتها التمويلية الإجمالية بنحو ملياري يورو.
وقال ألكسندر: «أوروبا ليست في الوضع الأمثل حاليًا على صعيد دعم هذا القطاع».
ورغم ذلك، تضم أوروبا واحدة من أكبر شركات تشغيل المفاعلات النووية في العالم، وهي شركة «إي دي إف» الفرنسية، التي شيدت عشرات المفاعلات النووية الكبرى بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي.
كما يشكّل مطورو المفاعلات النووية الصغيرة في فرنسا، إلى جانب الموردين المرتبطين بهذا القطاع، الحصة الأكبر من أعضاء التحالف الأوروبي للمفاعلات النووية الصغيرة، الذي يضم نحو 350 شركة.
وتُعلّق الشركات الصناعية ومراكز البيانات آمالًا كبيرة على المفاعلات النووية الصغيرة، التي تمتاز بقوتها وسهولة بنائها، لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء، ودعم خططها لخفض الانبعاثات الكربونية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNDMg جزيرة ام اند امز