خبير: توجه فرنسا نحو التقنيات الكمية رهان على السيادة التكنولوجية
يمثل إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضخ 1.55 مليار يورو إضافية في مجالي الحوسبة الكمّية وأشباه الموصلات «نقطة مفصلية استراتيجية» في تموضع فرنسا داخل المنافسة التكنولوجية العالمية، خاصة في مواجهة الصين والولايات المتحدة.
إعادة صياغة النموذج الاقتصادي الأوروبي
وقد أكد الخبير الاقتصادي الفرنسي وأستاذ الاقتصاد في المدرسة العليا للدراسات التجارية في باريس، أنطوان بيريجود، في تصريحات خاصة لـ"العين الإخبارية"، أن هذا الاستثمار لا ينبغي النظر إليه كخطوة مالية معزولة، بل كجزء من "إعادة صياغة عميقة للنموذج الاقتصادي الأوروبي"، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت عنصرًا حاسمًا في السيادة الجيوسياسية.
وأوضح بيريجود أن التأخر الأوروبي في مجالات مثل أشباه الموصلات يعود إلى عقود من الاعتماد على سلاسل توريد خارجية، خاصة من آسيا، وهو ما كشفت عنه بوضوح أزمات الرقائق خلال السنوات الأخيرة.
رهان على المستقبل البعيد
وأضاف بيريجود أن التوجه نحو دعم التقنيات الكمية يعكس "رهانًا على المستقبل البعيد"، حيث إن هذه التكنولوجيا، رغم كونها لا تزال في مراحلها التجريبية، قد تُحدث ثورة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبحث العلمي.
وحذر في الوقت نفسه من أن "الاستثمار وحده لا يكفي"، إذ تحتاج فرنسا وأوروبا إلى بيئة ابتكار متكاملة تشمل التعليم، وتمويل الشركات الناشئة، وتسهيل نقل التكنولوجيا من المختبرات إلى الصناعة.
وأشار بيريجود إلى أن دعوة ماكرون إلى تعبئة استثمارات أوروبية أوسع تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المنافسة لم تعد وطنية بل قارية، وأن أي تأخر أوروبي سيؤدي إلى تبعية تكنولوجية طويلة الأمد للولايات المتحدة أو الصين.
تسريع التنفيذ وتجاوز البيروقراطية
كما اعتبر أن فكرة إطلاق قرض أوروبي مخصص للتكنولوجيا قد تكون أداة حاسمة إذا ما تم توجيهها بفعالية نحو المشاريع الاستراتيجية.
ورأى أن "فرنسا تملك بالفعل المقومات العلمية والبشرية للنجاح"، لكن التحدي الحقيقي يكمن في "تسريع التنفيذ وتجاوز البيروقراطية".
وتابع أن "المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت أوروبا قادرة على أن تكون لاعبًا رئيسيًا في الثورة التكنولوجية القادمة، أم مجرد سوق استهلاكية للتقنيات القادمة من الخارج".
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال زيارة إلى المركز الفرنسي للحوسبة العملاقة التابع لمفوضية الطاقة الذرية والطاقات البديلة في برويير-لو-شاتيل (إقليم إيسون)، تخصيص استثمارات عامة إضافية بقيمة 1.55 مليار يورو لدعم تطوير تقنيات الحوسبة الكمية وأشباه الموصلات.
وفي ظل تسارع الولايات المتحدة والصين في هذا القطاع، دعا إيمانويل ماكرون أيضًا أوروبا إلى الاستثمار "بشكل أكثر كثافة" للحفاظ على سيادتها التكنولوجية، بحسب شبكة "سي نيوز" الفرنسية.
وسائل فرنسا للنجاح
ورغم أن التقنيات الكمّية لا تزال في مرحلة تجريبية إلى حد كبير، فإنها قد تتيح مستقبلًا حل مسائل معقدة للغاية في وقت قياسي، مقارنة بالقدرات الحالية والمستقبلية للحواسيب.
وبحسب الرئيس الفرنسي، يتعين على فرنسا تسريع وتيرة عملها في هذا المجال. وقال: "وتيرة منافسينا تُلزمنا بالانتقال إلى سرعة أعلى وتغيير حجم الطموح".
وفي التفاصيل، سيخصص مليار يورو لتعزيز الاستراتيجية الوطنية للكمّ ضمن برنامج "فرنسا 2030" وقدر ماكرون أن نحو 3 مليارات يورو يمكن تعبئتها خلال خمس سنوات بفضل التمويل العام، والدعم الأوروبي، إضافة إلى الاستثمارات الخاصة.
كما أعلن الرئيس تخصيص 550 مليون يورو لبرنامج أوروبي جديد مخصص للإلكترونيات وأشباه الموصلات، بهدف دعم البحث والتصنيع في التقنيات الأساسية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
وعلى نطاق أوسع، دعا ماكرون إلى أوروبا قادرة على الاستثمار "بشكل أكبر بكثير" من أجل بروز شركات صناعية رائدة خاصة بها، مشيرًا إلى إمكانية إطلاق قرض أوروبي مخصص للبحث والابتكار والتقنيات الاستراتيجية.
يُذكر أن خطة الكمّ التي أُعلنت عام 2021 بلغت قيمتها 1.8 مليار يورو، قبل أن تُعزَّز في عام 2024 بمبلغ 500 مليون يورو إضافي عبر برنامج لدعم القطاع الدفاعي من خلال الطلبات العمومية.