صناعة أشباه الموصلات في الصين.. إيرادات قياسية مدفوعة بقيود أمريكية
حققت شركات أشباه الموصلات الصينية إيرادات قياسية العام الماضي مدفوعةً بالطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي، ونقص رقائق الذاكرة، والقيود الأمريكية على الصادرات التي دفعت بكين إلى تعزيز صناعتها التكنولوجية المحلية.
ويتوقع المحللون والشركات نفسها مزيداً من الارتفاع في الإيرادات هذا العام، مما يؤكد كيف تستفيد شركات تصنيع الرقائق الصينية من الطلب القوي من عمالقة التكنولوجيا المحليين الساعين إلى بناء بنيتهم التحتية للذكاء الاصطناعي.
ووفقًا للشريك في مجموعة أولبرايت ستونبريدج، بول تريولو، فإن القيود الأمريكية على صادرات قطاع التكنولوجيا الصيني خلال السنوات القليلة الماضية قد عززت الطلب على الرقائق بشكل كبير، مما ضاعف النمو في مجالات أخرى مثل السيارات الكهربائية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وقالت شركة SMIC، أكبر مصنّع للرقائق في الصين، إن إيراداتها لعام 2025 ارتفعت بنسبة 16% مقارنةً بالعام الماضي لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 9.3 مليار دولار.
وتشير تقديرات محللي مجموعة بورصة لندن (LSEG) إلى أن الإيرادات قد تتجاوز 11 مليار دولار في عام 2026، بحسب شبكة "سي إن بي سي".
وأعلنت شركة هوا هونغ، وهي شركة صينية أخرى لتصنيع الرقائق الإلكترونية، أن إيراداتها في الربع الأخير من العام بلغت رقماً قياسياً قدره 659.9 مليون دولار، وتوقعت أن تتراوح مبيعاتها بين 650 و660 مليون دولار.
أما شركة مور ثريدز، التي تسعى لمنافسة شركة إنفيديا، فقد توقعت أن تتراوح إيراداتها في عام 2025 بين 1.45 مليار يوان (209.8 مليون دولار) و1.52 مليار يوان، بزيادة سنوية تتراوح بين 231% و247%.
مبيعات قياسية
وهناك عوامل متعددة مؤثرة، فقد ساهم نمو السيارات الكهربائية والبنية التحتية المرتبطة بها في دعم أشباه الموصلات الأقل تطوراً، بينما ارتفع الطلب على الرقائق الأكثر تطوراً "بشكل هائل بسبب الذكاء الاصطناعي"، كما صرّح تريولو.
وقد ساهمت القيود الأمريكية المفروضة خلال السنوات القليلة الماضية، والتي عزلت الصين عن تقنيات رئيسية، في تسريع مساعي بكين نحو الاكتفاء الذاتي وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية.
وفي الآونة الأخيرة، دفعت القيود الأمريكية المفروضة على صادرات رقائق إنفيديا إلى الصين بكين إلى تشجيع الشركات المحلية على شراء بدائل محلية، حيث سارعت شركات مثل هواوي إلى سدّ هذا النقص، حتى وإن كان أداء أشباه موصلاتها أقل من نظيرتها الأمريكية.

وقال بارف شارما، كبير المحللين في شركة كاونتربوينت للأبحاث، "مع أن الصين لم تصل بعد إلى الصدارة في ذروة أداء وحدات معالجة الرسومات، إلا أن هذه الحلول المحلية تسدّ فجوة الحوسبة المحلية وتدفع بإيرادات قياسية".
كما شهدت شركات تصنيع رقائق الذاكرة في الصين انتعاشًا ملحوظًا، فالذاكرة، وهي عنصر أساسي لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الاستهلاكية، تعاني من نقص عالمي في المعروض بينما يبقى الطلب عليها مرتفعًا.
وقد أدى ذلك إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار رقائق الذاكرة.
ووفق تقرير سابق لوكالة بلومبيرغ، نقلاً عن مصادر مطلعة، قالت الوكالة الأسبوع الماضي أن شركة تشانغشين لتكنولوجيا الذاكرة (CXMT)، إحدى الشركات الصينية الرائدة في مجال الذاكرة، شهدت قفزة في الإيرادات بنسبة 130% على أساس سنوي لتتجاوز 55 مليار يوان (8 مليارات دولار).
وذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM) هي نوع من الذاكرة المتطورة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويهيمن على السوق ثلاثة من أكبر الشركات العالمية المصنعة لهذا النوع من الذاكرة، وهي سامسونغ، وإس كيه هاينكس، ومايكرون.
وقد أتاحت القيود المفروضة على تصدير ذاكرة HBM إلى الصين فرصةً لشركة CXMT، على الرغم من أن تقنيتها لا تزال متأخرةً عن الشركات الرائدة، كما صرّح كبير محللي الأسهم في مورنينغ ستار فيليكس لي، لشبكة سي إن بي سي.
وأضاف لي، "بعد فرض قيود على تصدير ذاكرة HBM إلى الصين، برزت CXMT كبديل محلي وحيد، ولذلك لاقت حتى ذاكرة HBM2 أو HBM2e الأقل تطورًا من الناحية التقنية استحسانًا كبيرًا".
وبدأت سامسونغ وإس كيه هاينكس بإنتاج تقنيتي HBM2 وHBM2e حوالي عام 2016، ومن المتوقع أن تبدأ شركة CXMT بإنتاج HBM3 هذا العام.
وقال تريولو من مجموعة ألبرايت ستونبريدج إن الخبرة المكتسبة من تصنيع رقائق الذاكرة قد تُسهم في تطوير رقائق أخرى، مثل وحدات معالجة الرسومات (GPUs).
وأضاف تريولو، "أصبحت جميع مصانع تصنيع الذاكرة في الصين حاضنات لتقنيات المعالجة المتقدمة، بطرق لم تكن لتُتصور قبل تطبيق ضوابط التصدير الأمريكية في أكتوبر/تشرين الأول 2022".
التحديات المستمرة التي تواجه الصين
وعلى الرغم من تحقيق شركات أشباه الموصلات الصينية إيرادات قياسية، إلا أنها لا تزال متأخرة عن نظيراتها في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وأوروبا وتايوان من حيث القدرات التكنولوجية.
ولا تزال شركتا SMIC وHua Hong عاجزتين عن تصنيع أحدث الرقائق الإلكترونية في العالم بكميات كبيرة، على غرار شركة تايوان الرائدة في السوق، شركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية (TSMC).
ويعود ذلك إلى عدم قدرتهما على الوصول إلى أحدث الأدوات التي تنتجها شركة ASML في هولندا، بسبب قيود التصدير.
وبينما تُبذل جهود حثيثة لإيجاد بدائل محلية، فإن تعقيد التكنولوجيا يجعل المهمة شاقة.
وقال تريولو، "مع استمرار ارتفاع الطلب، لا تزال شركات أشباه الموصلات الصينية تحت ضغط هائل من ضوابط التصدير الأمريكية، وقد أصبحت البدائل المحلية متاحة بشكل متزايد في العديد من القطاعات الفرعية، ولكن ليس على نطاق واسع".
وأضاف، "تتميز الصين بمحاولتها إعادة بناء قطاعات واسعة من سلسلة توريد أشباه الموصلات بأكملها، وهذا بطبيعة الحال يمثل تحديًا كبيرًا وسيتطلب مزيدًا من الوقت لتجاوز الضوابط الأمريكية في المجالات الرئيسية".