أوروبا بين أوكرانيا وإيران.. معضلة دفاعية تسرع سباق التسلح
مع تصاعد احتمالات مواجهة عسكرية أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، تتجاوز تداعيات الأزمة حدود المنطقة لتفرض تحديًا استراتيجيًا جديدًا على أوروبا.
فالقارة، التي تواجه بالفعل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إذ يخشى مسؤولون وخبراء أن يؤدي انخراط واشنطن في صراع جديد إلى استنزاف مخزوناتها العسكرية وتقليص الإمدادات الموجهة إلى الحلفاء الأوروبيين، في وقت لا تزال فيه أوروبا تكافح لبناء قدراتها الدفاعية الذاتية.
ويأتي هذا القلق، بحسب مجلة «نيوزويك»، في مرحلة تتزايد فيها المخاوف من اتساع رقعة الحرب في أوكرانيا واقترابها أكثر من حدود حلف شمال الأطلسي، بينما تسير خطط إعادة التسلح الأوروبية بوتيرة أبطأ من تسارع التهديدات.
ورغم الإنفاق الدفاعي غير المسبوق خلال السنوات الأخيرة، لا يزال معظم الخبراء يرون أن القارة لم تبلغ بعد مستوى الجاهزية الذي يسمح لها بتعويض أي تراجع محتمل في الدعم العسكري الأمريكي.
مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر
يرى بيير هاروش، أستاذ الأمن الأوروبي في الجامعة الكاثوليكية بمدينة ليل الفرنسية، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدراك الأوروبيين ضرورة تقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة، بل في المرحلة الانتقالية بين تراجع المظلة الأمنية الأمريكية واكتمال القدرات الأوروبية.
ويحذر من أن روسيا قد تستغل هذه الفترة إذا شعرت بأن الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا يتراجع، بينما لم تستكمل الدول الأوروبية بعد بناء قوة ردع مستقلة.
وتتزايد هذه المخاوف مع استمرار استنزاف المخزونات الأمريكية بفعل الدعم العسكري لأوكرانيا والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على الوفاء بجميع التزاماتها الأمنية في وقت واحد.
تناقضات تعرقل الاستقلال الدفاعي
ورغم رفع الاتحاد الأوروبي شعار «الاستقلالية الاستراتيجية» وإطلاقه برامج لتمويل الصناعات الدفاعية، يكشف الواقع استمرار الاعتماد الكبير على الأسلحة الأمريكية.
فبينما تدعو بروكسل إلى تعزيز الإنتاج الأوروبي، لا تزال غالبية الدول الأعضاء تعتمد على شراء المعدات والتقنيات الأمريكية، وهو ما يرسخ ارتباطها بواشنطن بدلًا من تقليصه.
ويؤكد هاروش أن الحروب الحديثة، كما أظهرت التجربة الأوكرانية، تعتمد على الإنتاج الكثيف للطائرات المسيّرة والصواريخ والذخائر الدقيقة، محذرًا من أن تشتت الصناعات الدفاعية الأوروبية وغياب التكامل الحقيقي بين دول الاتحاد قد يحدان من قدرتها على منافسة روسيا في حال اندلاع مواجهة واسعة.
فجوة الردع قبل فجوة السلاح
لكن الأزمة لا تتعلق بالإنتاج العسكري وحده، بل تمتد إلى ما يُعرف بـ«فجوة الردع». وتشير كلوديا ماجور، نائبة الرئيس الأولى لصندوق مارشال الألماني، إلى أن الردع يعتمد بدرجة كبيرة على اقتناع الخصوم بوجود إرادة سياسية وقدرة فعلية على الدفاع، وليس على امتلاك الأسلحة فقط.
وتحذر من أن أي انطباع لدى موسكو بأن الولايات المتحدة قد تتردد في الدفاع عن حلفائها الأوروبيين، أو أن أوروبا عاجزة عن تعويض هذا التراجع، قد يشجع روسيا على اختبار تماسك الحلف.
ويزداد هذا الاحتمال مع التصريحات المتكررة للرئيس دونالد ترامب، التي ربط فيها بين مساهمة الحلفاء في الأعباء العسكرية واستعداد واشنطن للدفاع عنهم، وهو ما قد يضعف مصداقية الردع الغربي إذا ترافق مع تقليص غير منسق للدور الأمريكي.
ورغم هذه التحديات، يشير غونترام وولف، الباحث في مركز «بروجيل»، إلى أن الإنتاج العسكري الأوروبي شهد نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وأن بعض أنظمة التسليح بات إنتاجها الأوروبي يتجاوز نظيره الأمريكي.
غير أن هذا التقدم، بحسب الخبراء، لا يكفي، لأن التفوق في الحروب الحديثة يعتمد أيضًا على التقنيات المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والأنظمة السيبرانية، وهي مجالات لا تزال أوروبا تعتمد فيها بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة.
ويخلص الباحث دوغلاس باري إلى أن مستقبل الدفاع الأوروبي لن يُحسم بزيادة الإنفاق وحدها، بل بإعادة هيكلة الصناعة الدفاعية لتصبح أكثر تكاملًا وسرعة في الإنتاج والابتكار.
وبين الحرب المستمرة في أوكرانيا، والتصعيد في الشرق الأوسط، والغموض الذي يحيط بمستقبل الالتزام الأمريكي، تبدو أوروبا في سباق مع الزمن لبناء قوة ردع مستقلة، قبل أن تفرض الأزمات المقبلة واقعًا قد يكون أكثر قسوة من استعداداتها الحالية.