كيف تؤثر الساعات الأخيرة في حياة الأضحية على جودة اللحم؟ (خاص)
في اللحظات التي تسبق الذبح، لا تكون الأضحية مجرد كائن حي ينتظر النهاية.
وتكتب داخل عضلات الأضحية في تلك اللحظات قصة كيميائية دقيقة، تحدد فصولها ما سيصل لاحقًا إلى مائدة العيد: لون اللحم، طراوته، ورائحته، وحتى قابليته للحفظ.
ويكشف خبراء كيمياء التغذية، أن جودة اللحم لا تبدأ بعد الذبح، بل تُحسم فعليا في الساعات الأخيرة من حياة الحيوان، حين تكون العضلات في ذروة حساسيتها لأي توتر أو راحة.

حين يتحول التوتر إلى كيمياء داخل العضلات
ويقول د.محسن غانم ، الباحث في كيمياء الأغذبية بمركز البحوث الزراعية المصري إنه " في الظروف الطبيعية، تختزن عضلات الحيوان مادة الطاقة الأساسية المعروفة باسم الجليكوجين، هذه المادة لا تبدو مهمة في ظاهرها، لكنها تتحول بعد الذبح مباشرة إلى حمض اللاكتيك، وهو المسؤول عن ضبط درجة الحموضة داخل اللحم، وبالتالي تحديد جودته النهائية".
ويضيف أن " الصورة تتغير تماما عندما يسبق الذبح قدر من الإجهاد، نقل طويل، حرارة مرتفعة، أو ازدحام وضغط نفسي، حيث تبدأ العضلات حينها في استهلاك مخزونها من الطاقة بسرعة، وكأنها تدخل في سباق غير مرئي للبقاء، وعندما ينفد هذا المخزون، تتعطل العملية الكيميائية الطبيعية بعد الذبح، ويظل اللحم عند درجة حموضة غير متوازنة، لتظهر ملامح لحم داكن، أكثر صلابة، وأقل عصارة".
حين يفقد اللحم توازنه
ويتحول اللحم في هذه الحالة، إلى ما يُعرف علميًا بلحم " DFD"، أي داكن اللون، صلب القوام، وجاف نسبيًا. وعلى الرغم من أنه لا يبدو فاسدًا بالمعنى التقليدي، إلا أن بنيته الداخلية تصبح أكثر قابلية لنمو البكتيريا وأقل جودة من حيث الطراوة.
ويقول غانم " المفارقة أن اللحم في هذه الحالة لا يعكس مشكلة بعد الذبح، بل يعكس "ذاكرة" الإجهاد الذي سبق تلك اللحظة".

لحم باهت يفقد عصارته
وفي سيناريو مختلف، قد يتعرض الحيوان لإجهاد مفاجئ وحاد قبل الذبح مباشرة، مثل ارتفاع شديد في الحرارة أو ضغط سريع ومفاجئ، وهنا يظهر نمط آخر من التغيرات، ينتج عنه لحم باهت اللون، طري بشكل زائد، ويفقد جزءا كبيرا من عصارته.
ويقول غانم: " هذا النوع يُعرف بلحم PSEأي اللحم (باهت اللون، طري القوام، عالي فقد العصارة)، وهو يعكس خللا سريعا في التوازن الكيميائي داخل العضلات، حيث يحدث تحول سريع وغير منظم بعد الذبح".
عندما تُصبح الراحة عنصرا في جودة الغذاء
على الجانب الآخر، عندما تمر الساعات الأخيرة في هدوء نسبي، دون إجهاد أو توتر، تحتفظ العضلات بمخزونها من الطاقة، ويحدث التحول الكيميائي بعد الذبح بشكل تدريجي ومتوازن.
ويقول غانم إنه " في هذه الحالة، ينخفض مستوى الحموضة بشكل طبيعي، ويظهر اللحم بلونه الوردي المألوف، وقوامه الطري، وعصارته المتوازنة، وهي الخصائص التي تُعد معيار الجودة الأعلى في علم اللحوم".

ويخلص من ذلك للقول إن " جودة لحم الأضحية لا تُصنع في لحظة الذبح، بل تُبنى بصمت في الساعات التي تسبقها، فكلما كان الحيوان أكثر هدوءا وراحة، كانت الكيمياء الداخلية أكثر توازنا، وكانت النتيجة لحما أكثر جودة وطراوة وقابلية للحفظ، أما الإجهاد، حتى لو كان قصيرا، فيكفي ليعيد رسم هذه النتيجة بالكامل من الداخل، دون أن يُرى بالعين المجردة".