الأمن الغذائي والدوائي في الإمارات.. منظومة جاهزة لمواجهة التقلبات
في ظل التوترات الجيوسياسية الإقليمية وما تفرضه من تحديات على سلاسل الإمداد العالمية، تبرز الإمارات كنموذج للتخطيط الاستباقي وتكامل السياسات لضمان أمن الغذاء والدواء، مستندة إلى اقتصاد قوي ومرن قادر على مواجهة المتغيرات.
وأسست دولة الإمارات منظومة متكاملة تجمع بين المخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير الأطر التنظيمية للقطاع الدوائي، بما يعزز جاهزيتها لمواجهة أي تحديات طارئة وضمان استدامة الأمن الغذائي والصحي على المدى الطويل.
جاهزية اقتصادية
أكدت الجهات المختصة في دولة الإمارات متابعتها المستمرة لتداعيات التصعيد الإقليمي، مع جاهزية كاملة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استقرار الاقتصاد وقطاع الأعمال، واستمرارية الخدمات وحماية سلاسل الإمداد والقطاعات الحيوية.
وشددت على أن جميع الأنشطة الاقتصادية والمالية تسير بصورة طبيعية، وأن الاحتياطات والسياسات المعتمدة كفيلة باحتواء أي تقلبات مؤقتة، في ظل تنسيق كامل بين الجهات المعنية لضمان الاستقرار الاقتصادي، وإدارة القطاعات المالية والتنموية وفق أطر مؤسسية قادرة على امتصاص الصدمات.
كما تتابع الدولة من كثب تطورات حركة الملاحة والتجارة الدولية، مع تطبيق خطط معتمدة تضمن تدفق إمدادات الطاقة والسلع الأساسية دون انقطاع، وتوفير بدائل لوجستية جاهزة عند الحاجة.
مخزون استراتيجي
أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية، استقرار الأسواق المحلية، مشيرة إلى أن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية يتمتع بكفاءة عالية وتنوع شامل يلبّي احتياجات السوق لفترات زمنية طويلة ومطمئنة.
وأوضحت الوزارة، أن جميع السلع الغذائية وغير الغذائية متوفرة بكميات وافرة في منافذ البيع، مع متابعة دقيقة لكميات المخزون لدى الموردين عبر نظام إلكتروني لمراقبة الأسعار، يتيح جمع البيانات وتحليلها بشكل مستمر، وإجراء تقييمات دورية لضمان عدم حدوث أي نقص محتمل وتعزيز استقرار الأسعار.
وقال وزير الاقتصاد والسياحة عبدالله بن طوق المري، إن حركة استيراد السلع وتدفق البضائع تسير بشكل طبيعي، دون تسجيل مؤشرات على اضطرابات في التوريد أو نقص في المنتجات، مؤكداً أن منافذ البيع الكبرى لم ترصد أي تغييرات غير اعتيادية في عمليات الاستيراد أو التخزين.
ولا تزال معظم المتاجر الكبرى والمحلات التجارية مفتوحة، كما تجوب دراجات التوصيل شوارع الدولة كالمعتاد، وتعمل خدمات التوصيل المنزلي عبر كافة التطبيقات الشهيرة دون انقطاع. وقد شهدت بعض المتاجر يوم السبت موجة من الشراء نتيجة الذعر، مما دفع الحكومة إلى طمأنة السكان بوجود "إمدادات وفيرة"، ناصحة إياهم بعدم تخزين السلع.
استراتيجية طويلة الأمد
على مستوى الإنتاج المحلي، أشار تقرير صادر عن ألبن كابيتال، إلى أن "استراتيجية الأمن الغذائي 2051" تستهدف مضاعفة إنتاج الغذاء ثلاث مرات بحلول عام 2030، عبر التركيز على تقنيات حديثة مثل الزراعة العمودية، وتحسين كفاءة الزراعة التقليدية، وتعزيز الاستثمارات الخارجية في الأراضي الزراعية، خاصة في شرق أفريقيا.
وكانت الإمارات قد أطلقت الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، لتطوير منظومة شاملة تقوم على تمكين إنتاج الغذاء المستدام، وتحديد سلة غذاء وطنية تضم 18 منتجاً رئيساً وفق معايير الاستهلاك المحلي والقدرة الإنتاجية والاحتياجات التغذوية.
كما اعتمدت تشكيل مجلس للأمن الغذائي لتعزيز الحوكمة بين الجهات المختلفة، وأطلقت في يونيو/حزيران 2020 النظام الوطني للزراعة المستدامة، الذي يستهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي للمحاصيل المحددة بنسبة 5% سنوياً، وتحسين العائد الاقتصادي للمزارع بنسبة 10% سنوياً، وترشيد استهلاك المياه بنسبة 15% سنوياً.
وتولي الدولة اهتماماً خاصاً بتسخير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في القطاع الزراعي، إلى جانب دعم تمويل مشاريع صناعة السلع الغذائية، وتنويع مصادر الاستيراد وتعزيز التعاون مع الأسواق العالمية لتطبيق أعلى معايير السلامة الغذائية.
وبحسب منظمة الفاو، تعتمد الإمارات حزمة سياسات تشمل مراقبة الأسعار، وتحديد سقوف لبعض السلع الأساسية، ودعم المنتجين، والبحث والتطوير الزراعي، وتحسين البنية التحتية، والاحتفاظ بمخزونات استراتيجية، بما يعزز قدرة المجتمع على الوصول إلى غذاء صحي ومستدام.
تعزيز الأمن الدوائي وكسر الاحتكار
في موازاة الأمن الغذائي، اتخذت الدولة خطوات نوعية لتعزيز الأمن الدوائي، فقد أعلنت مؤسسة الإمارات للدواء تفعيل آلية جديدة تلزم شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي يتم تداوله في الدولة، في إطار تنفيذ المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2024 بشأن المنتجات الطبية ومهنة الصيدلة والمنشآت الصيدلانية.
وتهدف هذه الخطوة إلى كسر الاحتكار للمرة الأولى، وتقليل مخاطر انقطاع الإمدادات في حالات الطوارئ، وضمان استدامة توفر المنتجات الطبية في جميع الأوقات، إلى جانب تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتسريع الاستجابة لتغيرات الطلب والأزمات الصحية.
وأكد سعيد بن مبارك الهاجري، وزير دولة ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الإمارات للدواء، أن هذه الآلية تندرج ضمن نهج تطوير المنظومة الدوائية الوطنية، عبر تنويع سلاسل الإمداد ورفع كفاءة الأطر التنظيمية وترسيخ بيئة تشريعية مرنة تدعم استدامة السوق الدوائي وحماية الصحة العامة.
وأضاف أن الاستثمار الدوائي يمثل أحد أبرز نقاط القوة التي تميز الإمارات إقليمياً وعالمياً، في ظل توافر بنية تحتية متطورة وأنظمة حديثة تشجع الشركات العالمية على توطين صناعاتها وإنتاج أدويتها المبتكرة داخل الدولة.
وتأتي هذه الجهود في سياق دروس عالمية مستفادة من جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا واضطرابات الشحن والطقس المتطرف، التي دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم استراتيجياتها لضمان أمن الغذاء والدواء.
كما فعّلت دائرة الصحة – أبوظبي الخط الساخن "800- سكينة" لتقديم خدمات الدعم النفسي على مدار الساعة بالتعاون مع "سكينة"، شبكة الصحة النفسية الرائدة التابعة لـ "صحة"، إحدى شركات "بيورهيلث"، في خطوة تنسجم مع التزامها بحماية صحة أفراد المجتمع وتعزيز عافيتهم النفسية. ويوفّر هذا الخط الساخن خدمات الرعاية النفسية الأولية، إلى جانب وصول مباشر إلى المتخصصين المؤهلين في مجال الصحة النفسية لتقديم الدعم الفوري عند الحاجة.