«فالار أتوميكس».. شركة تعيد تعريف المستحيل بنقل أول مفاعل نووي جوا
تتبنى شركة فالار أتوميكس، وهي شركة ناشئة في مجال الطاقة النووية أسسها، إشعيا تايلور، نهجًا مبتكرًا في هذا المجال.
فبدلًا من مواجهة قيود شبكة الكهرباء، حددت فالار تباينًا جوهريًا بين القدرات النووية والكهرباء كمنتج.
ويقول تايلور، "الكهرباء منتج غير عملي"، لأنها لا يمكن نقلها بسهولة عبر المكان أو الزمان، يجب استخدامها فورًا، وتتطلب بنية تحتية ثابتة لتوصيلها، هذا الإدراك قاد إلى ابتكار فالار الأساسي، باستخدام المفاعلات النووية ليس لتوليد الكهرباء، بل لإنتاج وقود هيدروكربوني اصطناعي يُدمج مباشرة في البنية التحتية الحالية للطاقة".
سبب شهرة فالار أتوميكس
تصدرت شركة "فالار أتوميكس" عناوين الأخبار خلال الأيام الماضية، بعد مشاركتها للحكومة الأمريكية في أول عملية نقل جوي لمفاعل نووي مصغر، في خطوة وصفت بأنها اختبار عملي لإمكانية النشر السريع للطاقة النووية لأغراض عسكرية ومدنية على حد سواء.
حيث نقلت وزارتا الطاقة والدفاع الأمريكيتان مفاعلاً نووياً مصغراً من ولاية كاليفورنيا إلى قاعدة هيل الجوية في ولاية يوتا، على متن طائرة شحن عسكرية من طراز «سي-17»، وذلك من دون وقود نووي، في إطار تجربة لوجستية غير مسبوقة.
تواريخ مهمة
ووفق موقع "كونتراري ريسرش"، تأسست شركة فالار أتوميكس على يد إشعيا تايلور (الرئيس التنفيذي) في يوليو/تموز 2023 بهدف إحداث نقلة نوعية في قطاع الطاقة العالمي من خلال الطاقة النووية، وكانت الانطلاقة الحقيقية للشركة رسميًا في أوائل عام 2025.
وكان جد تايلور الأكبر فيزيائيًا نوويًا عمل في مشروع مانهاتن، مما غرس فيه شغفًا أثمر لاحقًا بتأسيس فالار أتوميكس.
وقال تايلور في مقابلة أجريت معه في يناير/كانون الثاني عام 2025، "لطالما كانت الطاقة الذرية جزءًا لا يتجزأ من حياتي، وشغلتني كثيرًا، أسست فالار أتوميكس بسبب شعوري بالإحباط من قطاع الطاقة النووية القائم."

دراسته وبداياته المهنية
ويقول موقع "كونتراري ريسرش"، أن تايلور ترك المدرسة الثانوية في سن السادسة عشرة، وتعلم البرمجة بنفسه، وعمل على أنظمة برمجية متعددة.
وقبل أن يبلغ العشرين، كان قد أسس شركتين للبرمجة، إحداهما HoodHub، وهي منصة ساعدت ورش تصليح السيارات على تقديم خدمة عملاء أفضل، والتي جمعت تمويلًا بقيمة 264.9 ألف دولار في عام 2020.
وكان يكسب 200 ألف دولار سنويًا وهو في السابعة عشرة من عمره، لكنه لم يكن يرى منها شيئًا، إذ كان يحول راتبه بالكامل إلى الشركة للحفاظ على استمراريتها.
وعلى الرغم من خبرته في مجال البرمجيات، ظل تايلور منجذبًا إلى مجال الفيزياء النووية.
وراقب بإحباط متزايد ركود الصناعة النووية، حيث ظلت تصاميم المفاعلات دون تغيير يُذكر لعقود، وكان المصنعون يركزون على إنتاج الكهرباء رغم محدوديتها كناقل للطاقة.
وتبلور هذا الإحباط في النهاية إلى رؤية لنهج مختلف جذريًا للطاقة النووية يركز على إنتاج الوقود الاصطناعي بدلًا من الكهرباء.
وأمضى ست سنوات في البحث والتفكير في المشكلة النووية قبل تأسيس شركة فالار أتوميكس.
وصرّح تايلور لموقع "كونتراري ريسيرش" في مقابلة أُجريت معه في نوفمبر/تشرين الثاني 2025: "حتى قبل أن يؤسس هذه الشركة، جلستُ أنا وزوج أختي ودرسنا جميع البيئات التنظيمية في العالم، وعددها 80 بيئة، وقرأنا جميع القوانين، وتساءلنا: كيف يمكننا فعلًا تجاوز هذه العقبة؟ لقد انخرط كثيرون في هذا المجال قبل عشر سنوات بتفاؤل كبير مع ازدهار الطاقة النووية آنذاك، وأعتقد أنهم سلكوا مسارات غير مثالية."
انطلاقة فالار أتوميكس
وشكّل تايلور فريقًا من الخبراء في الهندسة النووية واللوائح التنظيمية عند تأسيسه للشركة.
وقاد الجهود التقنية للشركة كبير المسؤولين النوويين، مارك ميتشل، الذي تضفي مؤهلاته مصداقية على خطط فالار الطموحة.
وشغل ميتشل سابقًا منصب رئيس شركة المفاعلات المعيارية "ألترا سيف نيوكلير كوربوريشن" (USNC)، وقاد أول مشروع مفاعل معياري مصغر في العالم في مفاعل "بيبل بيد" المعياري بجنوب أفريقيا.
وتمتد خبرته في قطاع الطاقة على مدى 25 عامًا، وتشمل الابتكار التكنولوجي وعالم الامتثال التنظيمي النووي المعقد.
ويعكس اسم الشركة نفسه هذه الرؤية الطموحة، فكلمة "فالار" مستوحاة من أساطير ج. ر. ر. تولكين، مبتكر مؤلفات "ملك الخواتم"، وتشير إلى كائنات قوية ساهمت في تشكيل العالم.
وكما يوحي اسمها، تسعى فالار أتوميكس إلى إعادة تشكيل مشهد الطاقة العالمي، وصولًا إلى عصر من الطاقة النظيفة والوفيرة التي تدعم ازدهار البشرية وتساهم في معالجة تغير المناخ.

المفاعلات النووية المصغرة
ومع انتشار طفرة الذكاء الاصطناعي وما تتطلبه من مصادر موثوقة ونظيفة للطاقة، لجأت صناعة الطاقة النووية لإيجاد حلول مبتكرة، حتى لجأت إلى تصغير حجم محطات الطاقة النووية، وسعيها إلى إنشاء مئات من محطات الطاقة النووية الصغيرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
وتحدث تقرير لصحيفة واشنطن بوست عن مفاعلات الطاقة النووية المصغرة، ومن ضمن الشركات التي أسهمت في انتشار هذه التقنية، شركة "أيداهو ستراتيجيك ريسورسز"، المالكة لأحد المناجم في ولاية أيداهو الأمريكية، وتخطط لجعل هذا المنجم نموذجًا رائدًا لمصدر طاقة جديد، هو الطاقة النووية المصغّرة.
وترغب الشركة في تشغيل آلات التعدين الخاصة باستخدام مفاعل نووي صغير الحجم كمصدر رئيسي للطاقة، حجم هذا المفاعل صغير بما يكفي لوضعه في حاوية شحن وتحميله على شاحنة.
ووفق تقرير واشنطن بوست، وضع هذا المشروع الذي ترددت أخباره خلال النصف الثاني من عام 2025 الماضي، الشركة في طليعة تطوير المفاعلات الصغيرة، وهو ما يقول الداعمون إنه قد يُحفّز استخدامًا أوسع للطاقة النووية.
وتتسابق ست شركات على الأقل لتطوير هذا النوع من المفاعلات الصغيرة، التي لا تُشبه بأي حال من الأحوال محطات الطاقة الضخمة المنتشرة على ضفاف الأنهار والسواحل في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بأبراج التبريد وهياكلها الخرسانية الضخمة.
وتقول الصحيفة الأمريكية، أن هذه المفاعلات، التي تُشبه في حجمها شاحنات النقل، صممت لتوليد طاقة لا تتجاوز 1 ميغاواطً - أي ما يُعادل جزءًا من ألف من طاقة وحدة تقليدية كبيرة.
وهو ما يكفي لتزويد 1000 منزل بالطاقة، أو مصنع واحد، أو حتى جزيرة نائية يملكها ملياردير.
النووي الطائر
وتطورت عملية نقل هذه المفاعلات المصغرة بفضل المشروع المشترك بين فالار أتوميكس والحكومة الأمريكية، بعد نجاح أول عملية نقل جوي لمفاعل نووي مصغر.
وجرى تنفيذ العملية بنقل أحد مفاعلات شركة "فالار أتوميكس"، المصغرة من طراز «وورد» إلى قاعدة جوية أمريكية في يوتا.
والمفاعل بحجم شاحنة صغيرة، قادر على توليد 5 ميغاواط من الكهرباء، ما يكفي لتشغيل حوالي 5000 منزل. ويستخدم وقود TRISO (حبيبات اليورانيوم المغلفة بطبقات سيراميكية متعددة) والتبريد بالهيليوم بدلاً من الماء، مما يجعله أكثر أماناً وقابلية للنقل.
وكان وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، ووكيل وزارة الدفاع لشؤون المشتريات والاستدامة مايكل دافي، على متن الطائرة خلال عملية النقل، وأشادا بالخطوة باعتبارها إنجازاً مهماً في مجال الطاقة النووية والقدرات اللوجستية العسكرية.
وتهدف الشركة لأن يصبح المفاعل قيد التشغيل بحلول 4 يوليو/تموز 2026، تزامناً مع الذكرى 250 لتوقيع إعلان الاستقلال الأمريكي، ضمن خطة الرئيس ترامب لبدء "نهضة نووية" أمريكية.
وتأمل Valar Atomics في بدء بيع الطاقة بشكل تجريبي في 2027، وأن تصبح تجارية بالكامل في 2028.