من «الأمن» إلى «الفكر».. خبير يكشف عن تحول فرنسي في مواجهة الإخوان (حوار)
«إشارة سياسية وأمنية قوية» تعكس تغييرًا ملحوظًا في طريقة تعاطي الدولة الفرنسية مع ملف الإسلام السياسي.
هكذا اعتبر الخبير السياسي الفرنسي ومؤسس ورئيس تحرير موقع «ديبلومات ميديا»، رولان لومباردي، قرار حظر اللقاء السنوي لمسلمي الغرب في مدينة نانت (التجمع الإخواني).
وأوضح لومباردي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن «هذا القرار لا يمكن فصله عن سياق أوسع من تشديد السياسات الفرنسية تجاه التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي، ولا سيما تلك المحسوبة على جماعة الإخوان، مشيرًا إلى أن ما يجري اليوم يعكس تغيّرًا في جوهر المقاربة الرسمية.
وأضاف أن السلطات الفرنسية لم تعد تتعامل مع الملف من زاوية التهديدات الأمنية المباشرة فقط، بل أصبحت تنظر إليه ضمن إطار أوسع يشمل النفوذ الفكري والثقافي.
جوهر الإشكالية
وأوضح لومباردي أن جوهر المشكلة بالنسبة للسلطات لا يتعلق بالإسلام كدين أو بالممارسة الدينية، بل بوجود شخصيات وقيادات مرتبطة بمنظمة «مسلمو فرنسا»، التي تُعد تاريخيًا قريبة من فكر جماعة الإخوان.
وأشار إلى أن هذا الحضور هو ما أثار مخاوف الجهات الرسمية، خاصة في ظل القلق المتنامي مما يُعرف بـ«الاختراق الناعم» داخل المجتمع عبر العمل الجمعياتي والثقافي.
تحول في العقيدة الأمنية والسياسية
وأكد أن القرار يعكس تغييرًا واضحًا في العقيدة الفرنسية، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على مكافحة الإرهاب، بل امتد ليشمل مواجهة ما تعتبره الدولة «الانفصالية الثقافية» ومحاولات التأثير التدريجي داخل المجتمع.
وأضاف أن عددًا من المسؤولين الفرنسيين باتوا يتبنون مقاربة تقوم على أن الإسلام السياسي يمكن أن يتطور عبر قنوات قانونية واجتماعية قبل أن يصل إلى مراحل أكثر تطرفًا.
تأكيد قضائي للقرار
وفي السياق ذاته، أكدت محكمة نانت الإدارية قرار حظر اللقاء، الذي كان مقررًا تنظيمه في مسجد السلام، وذلك بعد أن أصدر المحافظ قرارًا بهذا الشأن بطلب من وزارة الداخلية، مستندًا إلى مخاوف من مشاركة متدخلين قد يدلوا بتصريحات تُصنف قانونيًا ضمن المخالفات الجنائية.
ورغم طعن المنظمين، الذين كانوا يعتزمون جمع نحو 2000 مشارك، أيدت المحكمة القرار، فيما زعمت الجمعية الإسلامية لغرب فرنسا أن الهدف من الحدث كان تعزيز الحوار والتعايش، معلنة عزمها مواصلة الإجراءات القانونية.
دعم حكومي للقرار
من جهته، رحب رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو بالقرار، معتبرًا أنه يمثل «خطوة مهمة» في مواجهة ما وصفه بمحاولات تغلغل جماعة الإخوان المسلمين داخل المجتمع الفرنسي، وهو ما يعكس استمرار التوجه الرسمي نحو تشديد الرقابة على هذا النوع من الأنشطة.
وقال لوكورنو، في تدوينة عبر منصة «إكس»، إن «الجمهورية يجب أن تكون حازمة ودقيقة ولا تشوبها أي ثغرة قانونية في مواجهة الإسلاموية السياسية»، موجها الشكر لفرق وزارة الداخلية على «تعبئتهم المستمرة والأساسية».
بدوره، أكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن القضاء صادق على قرار المنع لأن «التصريحات المحتمل إطلاقها خلال التجمع قد تمس قيم الجمهورية والتماسك الوطني والكرامة الإنسانية».
وقالت السلطات الفرنسية إن قرار الحظر جاء بسبب مشاركة شخصيات بارزة مرتبطة بجماعة الإخوان، وسط مخاوف من صدور تصريحات «قد تشكل جرائم جنائية وتمس مبادئ الجمهورية والتماسك الوطني والكرامة الإنسانية».
تصاعد المواجهة مع الإخوان
القرار ضمن سلسلة خطوات متصاعدة تتخذها فرنسا ضد التنظيمات المرتبطة بجماعة الإخوان، في إطار مكافحة «التغلغل الإسلاموي» داخل المجتمع الفرنسي.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت فرنسا حل مؤسسات وجمعيات مرتبطة بالتنظيم، بينما تحرك نواب داخل الجمعية الوطنية الفرنسية في يناير/كانون الثاني 2026 لدفع الاتحاد الأوروبي نحو تصنيف جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا.
وفي السادس من مايو/أيار الجاري، اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي بأغلبية ساحقة مشروع قانون لمكافحة ما وصفه بـ«تغلغل الإسلام السياسي»، في خطوة اعتبرها خبراء تحدثوا لـ«العين الإخبارية»، آنذاك، بمثابة تحول جديد في سياسة باريس تجاه الجماعات الإسلامية المتشددة.
وجاء اعتماد المشروع بأغلبية 208 أصوات مقابل 124، بناء على مقترح قدمه زعيم حزب الجمهوريين ووزير الداخلية الفرنسي السابق برونو ريتايو.
ويهدف القانون إلى تشديد الإجراءات ضد الجمعيات والتيارات المتهمة بتقويض قيم الجمهورية الفرنسية، من خلال تسهيل حل الجمعيات، وتشديد العقوبات على من يمس «مبادئ الجمهورية»، وفرض رقابة صارمة على بناء دور العبادة، إلى جانب تجميد أصول الجماعات الانفصالية.
وقال ريتايو إن فرنسا يجب أن تكون «حازمة للغاية، بلا تهاون» تجاه التيارات التي تسعى إلى «تقويض التماسك الاجتماعي والشكل الجمهوري للمؤسسات».
ويستند مشروع القانون إلى تقرير أعده ريتايو عام 2025 عندما كان وزيرا للداخلية، تناول ما وصفه بـ«التغلغل المرتبط بجماعة الإخوان» وتأثيره على القيم الجمهورية في فرنسا.
في المقابل، تعمل الحكومة الفرنسية على إعداد مشروع قانون موازٍ أكثر تشددا، أعلن عنه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز مطلع أبريل/نيسان الماضي، ويخضع حاليا للدراسة في مجلس الدولة.
ويشمل المشروع الحكومي إجراءات أوسع لمراقبة ما تصفه باريس بـ«كل أشكال التغلغل»، بما في ذلك مراقبة المنشورات، وتعزيز آليات حذف المحتوى التحريضي عبر الإنترنت، وتشديد الرقابة على الجمعيات والتمويلات المرتبطة بالتيارات المتشددة.