أزمة فرنسا.. «صورة قاتمة» لمستقبل أوروبا

تشهد فرنسا اليوم واحدة من أخطر أزماتها السياسية والاقتصادية منذ عقود، وهو ما يعد مثالا على الأزمة الأوسع نطاقا التي تعصف بأوروبا الغربية.
تقف فرنسا عند مفترق طرق حيث تتضافر مجموعة من العوامل بداية من الركود الاقتصادي والديون المتفاقمة وضغوط الإنفاق العسكري وأزمة الهجرة وصولا إلى ضعف القيادة السياسية وانقسام البرلمان لتصبح باريس انعكاسا للوضع المعقد في أوروبا الغربية خاصة في ظل التوترات عبر الأطلسي وذلك وفقا لما ذكره موقع "ريسبونسيبل ستايت كرافت".
وأشار الموقع إلى أن الشرارة الأخيرة التي أشعلت الأجواء في باريس اندلعت مع إعلان رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو عزمه طلب تصويت على الثقة في 8 سبتمبر/أيلول المقبل حول خطته لخفض الإنفاق العام بقيمة 43.8 مليار يورو والتي تهدف إلى معالجة العجز الذي بلغ 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي وهو ضعف الحد الأقصى المسموح به لدول اليورو.
ومع بلوغ الدين العام 113% من الناتج وفي ظل نمو اقتصادي ضعيف (1.2% في 2024، وتوقع 0.6% فقط في 2025)، تبدو مهمة بايرو شبه مستحيلة.
وتشمل الخطة الجديدة تجميد مخصصات الرعاية الاجتماعية، خفض بعض فوائد التقاعد، إلغاء عطلتين وطنيتين، تقليص الوظائف العامة، وزيادة الضرائب على الأغنياء.
لكن الإنفاق العسكري يمثل الاستثناء الوحيد، إذ يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفع ميزانية الدفاع تدريجياً إلى 64 مليار يورو بحلول 2027، أي 3.5% من الناتج المحلي، انسجاماً مع التزامات حلف شمال الأطلسي (ناتو) وضغوط الولايات المتحدة.
التحدي الذي يواجهه بايرو هو نفسه الذي واجهه سلفه ميشيل بارنييه، الذي أُطيح به نهاية 2024 بعد فشله في تمرير الموازنة عبر البرلمان واضطراره لفرضها بمرسوم، في سابقة لم تحدث منذ عام 1962.
واليوم، يواجه بايرو خطر المصير نفسه، في ظل الانقسام الحاد داخل البرلمان حيث يحتفظ الائتلاف الحاكم بـ210 مقاعد فقط مقابل 180 مقعدا لليسار و142 مقعدا لأقصى اليمين وكلا المعسكرين أعلن رفضه القاطع لإجراءات التقشف فيما دعت النقابات العمالية إلى إضراب عام يوم 10 سبتمبر/أيلول.
وسيؤدي سقوط حكومة بايرو على الأغلب إلى إجراء انتخابات مبكرة، لكن استطلاعات الرأي تكشف صعوبة إيجاد أغلبية مستقرة.
في المقابل، يطالب اليسار بقيادة جان لوك ميلونشون باستقالة ماكرون إذا سقطت الحكومة، فيما تراهن زعيمة أقصى اليمين مارين لوبان على استثمار الغضب الشعبي من التقشف و"ازدواجية" الحكومة التي تضحي بالرعاية الاجتماعية لصالح سباق التسلح.
وقد يكون السيناريو الأكثر تفاؤلاً للحكومة هو امتناع أحد المعسكرين عن التصويت لإبقاء الوضع الراهن، ربما مقابل الحصول على تنازلات سياسية.
لكن أزمة فرنسا ليست إلا جزءاً من الأزمة التي تعيشها أوروبا الغربية ففي ألمانيا، تواجه الحكومة الائتلافية الهشة التي تضم المسيحيين الديمقراطيين والاشتراكيين الديمقراطيين صعوبات مماثلة.
ورغم قرار برلين مضاعفة الإنفاق العسكري وزيادة الاقتراض إلى 126 مليار يورو بحلول 2029، يحذر خبراء اقتصاديون من أن تمويل هذه الخطط دون خفض في الرعاية الاجتماعية أمر غير مستدام خاصة وأنه مع ارتفاع أعمار السكان، يزداد الضغط السياسي لحماية المعاشات والرعاية الصحية.
وشهدت الانتخابات الألمانية الأخيرة صعوداً لافتاً لحزب أقصى اليمين "البديل من أجل ألمانيا" الذي يوشك على تحقيق اختراق يمكنه من الوصول للحكم.
أما بريطانيا، فإن الحكومة العمالية بقيادة كير ستارمر تواجه أزمة مشابهة في ظل التمرد داخل الحزب ضد محاولات خفض الإنفاق الاجتماعي لزيادة موازنة الدفاع في الوقت الذي بلغ فيه الدين العام 103% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويواجه حزب العمال تهديدا حقيقيا مع تصدر حزب الإصلاح في المملكة المتحدة بقيادة نايجل فاراج في استطلاعات الرأي.
وتطرح هذه الأزمات تساؤلات حقيقية حول قدرة أوروبا على الوفاء بتعهداتها الدفاعية تجاه الناتو وأوكرانيا خاصة وأن بعض القوى السياسية الأوروبية، تعارض علناً استمرار الدعم العسكري لكييف وحتى الأحزاب المؤيدة للحلف ترفض إرسال قوة أوروبية لضمان أمن أوكرانيا بعد الحرب.
وفي الولايات المتحدة، لا يثق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثيراً بالوعود الأوروبية بزيادة الإنفاق الدفاعي التي قد تصطدم بالقيود الاقتصادية والانقسامات الداخلية كما أن الضغط المفرط على أوروبا قد يدفعها نحو مزيد من الانقسام وعدم الاستقرار، مما يمثل تهديداً أكبر للمصالح الأمريكية.