من الرياضة إلى الأمن.. فرنسا تحاصر نفوذ الإخوان (خاص)
وسط تنامي المخاوف من زيادة نفوذ الإخوان، وارتفاع مؤشر القلق من شبكات نفوذ اجتماعي يُشتبه في ارتباطها بتيارات الإسلام السياسي، تتصاعد في فرنسا مقاربة أكثر تشددًا تجاه الجمعيات المحلية، في إطار ما تعده الدولة مواجهة مبكرة لظواهر «الانفصالية».
وأصدر محافظ إقليم هوت دو سين، ألكسندر بروجيير، قرارًا يقضي بالإغلاق الفوري لجمعية رياضية تحمل اسم «الأبطال»، كانت تنشط داخل المركز الرياضي فيليب كاتياو في مدينة فيلنوف-لا-غارين، بسبب شبهات تتعلق بممارسات «مجتمعية مغلقة» داخل أنشطة الجمعية.
قرار اعتبره خبراء فرنسيون استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، يعكس اتجاها متزايدا في مقاربة الدولة الفرنسية تجاه ما تعده مظاهر «الانفصالية الدينية» للتيارات المحسوبة علي تنظيم الإخوان في فرنسا.

وأكد الخبراء أن هذه القضية تأتي ضمن سياق سياسي وأمني أوسع تتبناه باريس منذ سنوات، يهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والجمعيات ذات الخلفيات الدينية أو المجتمعية، لاسيما التي تهدد المجتمع الفرنسي مثل تنظيم الإخوان في فرنسا.
من جانبه، قال الخبير الفرنسي في إدارة وتطوير الأندية الرياضية، أوليفييه جاروس لـ«العين الإخبارية»، إن المشكلة الأساسية في هذه القضية تكمن في «ربط الرياضة بالتيارات الدينية مثل تنظيم الإخوان في فرنسا وغياب الحوكمة السليمة داخل الجمعية».
وشرح جاروس أن «أي مؤسسة رياضية حديثة يجب أن تعتمد على إدارة احترافية، تشمل الامتثال القانوني، والشفافية، واحترام المعايير التنظيمية»، مشيرًا إلى أن «الفشل في هذه الجوانب يفتح الباب أمام تدخل الدولة، بغض النظر عن طبيعة النشاط أو خلفيته».

أما فيما يتعلق بالجدل حول الانفصالية، فيرى جاروس أن المسألة أكثر تعقيدًا، موضحا أنه «في عالم الرياضة، من الطبيعي وجود برامج موجهة لفئات محددة، مثل النساء أو الشباب أو كبار السن، لكن الإشكالية تبدأ عندما يتم ربط هذه البرامج بالتيارات الدينية أو غير قانونية، خاصة إذا كانت مرتبطة باستخدام مرافق عامة».
وحذر من أن «تسييس الأنشطة الرياضية أو إعطائها طابعًا مغلقًا قد يؤدي إلى فقدان دورها الأساسي كأداة للاندماج الاجتماعي»، مؤكدًا أن «الرياضة في جوهرها يجب أن تبقى مساحة مفتوحة للجميع، لا وسيلة للتمييز أو العزل».
وفي تقييمه لرد فعل السلطات، اعتبر جاروس أن «الدولة الفرنسية تتجه نحو تشديد الرقابة على الجمعيات، ليس فقط من منظور أمني، بل أيضًا لضمان جودة التسيير»، مضيفًا أن «هذه المقاربة قد تكون ضرورية في بعض الحالات».
ورأى أن «المستقبل يتطلب نموذجًا جديدًا للجمعيات الرياضية، يجمع بين الاحتراف الإداري والانفتاح الاجتماعي»، موضحاً أن «أي جمعية لا تتبنى هذا النموذج ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا خارج الإطار القانوني، بغض النظر عن نواياها».
ممارسات تمييزية
وإلى جانب المخالفات الإدارية، أثارت السلطات شبهات حول تنظيم حصص رياضية موجهة حصريًا لنساء محجبات، وهو ما اعتُبر مخالفًا لمبادئ المساواة وعدم التمييز في المرافق العامة.
كما أشارت تقارير إلى تنظيم فترات حجز خاصة داخل مسبح بلدي لصالح مجموعات نسائية مغلقة دون إطار قانوني واضح، وهو ما اعتبرته السلطات انتهاكًا لقواعد استخدام المرافق العمومية.
في مراسلات رسمية، ذكر المحافظ إدارة الجمعية أن تخصيص حصص بناءً على الانتماء الديني داخل المرافق العمومية يُعد مخالفة صريحة لمبدأ الحياد (اللائكية)، وهو أحد أسس النظام الجمهوري الفرنسي، مشيرًا إلى أن الجمعية كانت موقعة على "عقد الالتزام الجمهوري"، الذي يفرض احترام مبادئ المساواة والحياد وعدم التمييز.
مكافحة «الانفصالية»
تأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية في الإقليم خلال الفترة الأخيرة ضمن سياسة مكافحة ما تسميه الدولة بـ«الانفصالية».
ففي السنوات 2025 و2026، أغلقت السلطات عدة مؤسسات وجمعيات أخرى في المنطقة، بينها معهد في كولومب بتهم تتعلق بخرق قواعد السلامة وشبهات فكرية متشددة، ومؤسسة في أنطوني أُغلقت بعد اتهامات تتعلق بخطابات دينية اعتُبرت مخالفة للقيم الجمهورية.
وتؤكد السلطات أن هذه الإجراءات تهدف إلى ضمان احترام القانون ومنع أي ممارسات تُضعف مبدأ التعايش داخل المجتمع الفرنسي.
وتعكس هذه القضية استمرار تشدد السلطات الفرنسية في مراقبة الجمعيات المحلية، خصوصًا تلك التي تشتبه في تجاوزها للإطار القانوني أو ممارستها لأنشطة تُعتبر مخالفة لمبادئ المساواة والحياد.
ورأى الخبير في تتبع وتمويل الشبكات المتطرفة، ميشيل فياض لـ«العين الإخبارية»، أن قضية إغلاق الجمعية الرياضية في فيلنوف-لا-غارين لا يمكن فصلها عن التغييرات العميقة في العقيدة الأمنية الفرنسية، خصوصًا فيما يتعلق بمراقبة الفضاء الجمعوي.
وأكد فياض أن «الجمعيات الصغيرة، بما فيها الرياضية، أصبحت محل تدقيق متزايد من قبل أجهزة الدولة، ليس فقط بسبب نشاطها الظاهر، بل بسبب احتمال استخدامها كواجهات غير مباشرة لشبكات تمويل أو نفوذ أيديولوجي».
وشرح أن «النماذج الحديثة للتمويل غير التقليدي لا تعتمد دائمًا على تحويلات مالية كبيرة أو واضحة، بل تمر أحيانًا عبر أنشطة محلية تبدو عادية، مثل جمعيات رياضية أو ثقافية، يتم من خلالها بناء شبكات اجتماعية مغلقة يمكن استغلالها لاحقًا».
وأضاف أن «المؤشرات التي تثير قلق السلطات لا تكون دائمًا مالية بحتة، بل تشمل أيضًا أنماط التنظيم، والانغلاق المجتمعي، وطبيعة الجمهور المستهدف، خاصة إذا كان هناك إقصاء لبقية فئات المجتمع».
واعتبر فياض أن «تخصيص أنشطة لفئة واحدة بشكل ممنهج، خصوصًا داخل مرافق عمومية، قد يُقرأ من زاوية أمنية كإشارة إلى بناء فضاءات موازية خارج الإطار الجمهوري، حتى وإن لم يكن هناك دليل مباشر على تمويل غير مشروع».
وتابع: «ما يحدث في فرنسا اليوم يعكس انتقالًا من مقاربة رد الفعل إلى مقاربة استباقية، حيث يتم التعامل مع الإشارات المبكرة بدل انتظار الأدلة القاطعة»، موضحاً أن "هذه الاستراتيجية قد تكون فعالة أمنيًا، لكنها تتطلب شفافية عالية حتى لا تتحول إلى مصدر توتر داخل المجتمع".