موجة الحر «القاتلة» بفرنسا.. مكيفات «أقصى اليمين» تصطدم بالناخبين
لم تقتصر تقلبات الطقس في فرنسا على ارتفاع درجات الحرارة، بل امتدت إلى المشهد السياسي، حيث أعادت موجة الحر ملف التغير المناخي للواجهة
فبينما كان حزب التجمع الوطني (أقصى اليمين) يأمل في استغلال الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن إدارتها لموجة الحر، وجد نفسه في مواجهة أسئلة تتعلق بمواقفه السابقة من التغير المناخي، ما جعل الأزمة المناخية تتحول إلى اختبار سياسي للحزب نفسه.
ووفق ما طالعته "العين الإخبارية" في صحيفة "بوليتيكو"، دفعت موجة الحر القياسية بتغير المناخ إلى صدارة النقاش السياسي في فرنسا قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
في عام 2022، وعدت زعيمة حزب التجمع الوطني آنذاك، مارين لوبان، خلال حملتها الرئاسية، بـ"طي صفحة السياسات البيئية العقابية".
وفي العام التالي، انتقدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة بشدة، واصفة إياها بـ"المبالغة في التهويل" بعد نشرها تقريرا يؤكد على ضرورة بذل المزيد من الجهود لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وفي ما يتعلق بالحلول، تكرر لوبان ونواب حزب التجمع الوطني دعواتهم القديمة لتزويد البلاد بمزيد من مكيفات الهواء. لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا المقترح سيحظى بقبول لدى الفرنسيين، نظرا لنفور البلاد التاريخي من أجهزة التكييف.
وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة إيلاب يومي الإثنين والثلاثاء - اللذين شهدا أعلى درجات حرارة مسجلة في فرنسا القارية حتى يوم الأربعاء - أن ثلثي المستطلعين يعتقدون أن التكييف حل مؤقت، وأن على السلطات التركيز على تدابير لا تفاقم موجة الحر الشديدة. وقد أيد نصف ناخبي التجمع الوطني هذا الرأي أيضا.
وإذا ما انحسرت موجة الحر، فمن المرجح أن تلعب القضايا البيئية دورا هاما في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لا سيما مع تزايد إدراك الناخبين الفرنسيين لتأثير تغير المناخ على صحتهم ورفاهيتهم، كما صرح برنارد سانانيس، رئيس مؤسسة إيلاب.
وأضاف: "سيكون من الصعب تجنب هذا الأمر خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة".
قرارات هيكلية
وتعود حساسية فرنسا تجاه موجات الحر إلى كارثة صيف عام 2003، التي أودت بحياة آلاف الأشخاص، معظمهم من كبار السن، ما دفع السلطات آنذاك إلى تطوير خطط للإنذار المبكر وحماية السكان من الظواهر المناخية القاسية.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت درجات الحرارة القصوى أكثر شيوعا في أوروبا، القارة الأسرع احترارا على كوكب الأرض. لكن الناخبين الفرنسيين يعتقدون أن الحكومات المتعاقبة "أهملت" قضية تغير المناخ.
وقال ثلثا المشاركين في استطلاع رأي أجرته مؤسسة إيلاب إن إدارة رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو "لم تتعامل بالشكل المطلوب مع الأزمة الحالية"، بينما يعتقد 53% أن فرنسا "غير مستعدة على الإطلاق لمواجهة هذا النوع من موجات الحر".
موقف الحكومة
في المقابل، نفت الحكومة اتهامات عدم الاستعداد، وقبل اجتماع طارئ لمجلس الوزراء يوم الثلاثاء لمناقشة موجة الحر، أعلن ليكورنو، أنه طلب مقترحات "للعام المقبل، بهدف وضع أسس طويلة الأجل للتكيف مع الظروف المناخية الجديدة، إلا أن معارضيه اعتبروا ذلك تأجيلا للمشكلة بدلا من معالجتها.
كما تواجه الحكومة تحديا ماليا كبيرا، إذ تتطلب سياسات التكيف مع التغير المناخي استثمارات ضخمة في وقت تعاني فيه فرنسا من ضغوط مالية، بعدما تجاوز الدين العام 3.5 تريليون يورو، بما يعادل 117.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب أرقام وكالة الإحصاء الفرنسية.
وفي هذا الصدد، أشار ليكورنو إلى أن إعداد البلاد لمواجهة هذه التحديات "قد يتطلب اتخاذ قرارات هيكلية أكثر".
أجهزة التكييف.. مزايا وعيوب
أصبح التكييف موضوع نقاش متكرر في فرنسا خلال موجات الحر. ورغم أن الفرنسيين لم يكونوا تقليديا من كبار المعجبين بهذه الأجهزة، إلا أن عدد الأسر التي تقوم بتركيب أنظمة التبريد في ازدياد تدريجي.
وفي مقابلة مع إذاعة فرانس إنتر، اقترح النائب عن حزب التجمع الوطني والمسؤول عن خطة حزبه بشأن التكييف، جان فيليب تانغي، أن تتحمل الدولة فوائد القروض التي يحصل عليها الأفراد أو الشركات لشراء أجهزة التكييف، مقدرا تكلفة الخطة بنحو 20 مليار يورو، مع إقراره بأن هذا الرقم لا يزال أوليا.
وعندما طُلب منه تقديم المزيد من التفاصيل حول البرنامج، صرح تانغي لموقع بوليتيكو بأنه سيعقد مؤتمرا صحفيا الأسبوع المقبل لمناقشته.
مع ذلك، دأبت الحكومة الفرنسية على رفض فكرة أن استخدام أجهزة التكييف على نطاق واسع حل مناسب، مؤكدة أن هذه الأجهزة تطلق مزيدا من الحرارة إلى الشوارع، ما يؤدي إلى تفاقم ارتفاع درجات الحرارة في المدن.
في هذه الأثناء، حاولت مارين لوبان، التي كانت مرشحة حزب التجمع الوطني في الانتخابات الثلاث الأخيرة، تبرير تصريحاتها السابقة بشأن تغير المناخ هذا الأسبوع.
وقالت في مقابلة إذاعية يوم الأربعاء: "تطرح الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عدة سيناريوهات، بعضها مثير للقلق للغاية، بينما البعض الآخر أقل. وغالبا ما تركز التغطية الإعلامية لهذه السيناريوهات على السيناريو الأكثر خطورة".
وأضافت: "وبما أننا كنا نعارض اتفاقيات التجارة الحرة على مدى 20 عاما مضت، ونعلم الآن أن 50% من بصمتنا الكربونية مرتبطة بالواردات، فقد كنا على صواب".
ولا يزال حزب التجمع الوطني يحسم هوية مرشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، إذ لم يتحدد بعد ما إذا كانت مارين لوبان أو رئيس الحزب جوردان بارديلا سيمثلانه، في انتظار البت في استئناف الأولى على حكم قضائي يتعلق بقضية اختلاس، الشهر المقبل.