خبير فرنسي: الهند تراهن على «الطريق الثالث» في الذكاء الاصطناعي
تراهن الهند على تحويل القمة العالمية للذكاء الاصطناعي، المنعقدة في مركز "بهارات ماندابام" بالعاصمة، إلى لحظة مفصلية في إعادة رسم خريطة القوة التكنولوجية العالمية، عبر الدفع بفكرة "طريق ثالث" بين الهيمنة الأمريكية والصعود الصيني.
القمة، التي تُعد أول تجمع من نوعه يُنظم في "الجنوب العالمي"، تستقطب نحو 250 ألف مشارك، بينهم قادة دول ورؤساء شركات تكنولوجيا كبرى.
ويتولى رئاسة الحدث رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بالمشاركة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في إشارة سياسية واضحة إلى رغبة نيودلهي وباريس في الدفع نحو مقاربة متعددة الأقطاب لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
وقال الباحث الاقتصادي الفرنسي ومدير الأبحاث بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والمتخصص في الاقتصاد الصناعي والسياسات العامة، زافييه راجو، لـ"العين الإخبارية"، إن "رهان القمة يتجاوز البعد الرمزي؛ فهو يتعلق بقدرة الدول متوسطة القوة على بناء منظومة ابتكار مستقلة نسبيًا، دون الانعزال عن الاقتصاد العالمي".
وأضاف راجو أن "ما يسمى بالطريق الثالث لن ينجح ما لم يُترجم إلى استثمارات ضخمة في البحث العلمي، وإصلاحات مؤسسية تعزز المنافسة، وتسهّل نمو الشركات الناشئة، وتحد، في الوقت ذاته، من تمركز السوق بيد عدد محدود من الفاعلين العالميين".
وعلى المستوى العالمي، يتشكل مشهد الذكاء الاصطناعي حول نموذجين رئيسيين: نموذج تقوده شركات أمريكية عملاقة مدعومة بأسواق رأسمالية عميقة واستثمارات خاصة هائلة، ونموذج صيني يرتكز إلى تخطيط استراتيجي تقوده الدولة واندماج وثيق بين القطاعين العام والخاص.
في المقابل، تحاول الهند، مدعومة بشركاء أوروبيين، بلورة نموذج يوازن بين دينامية السوق وضوابط تنظيمية تضمن السيادة الرقمية وحماية البيانات.
وبحسب الخبير الاقتصادي الفرنسي، فإن "التحدي الحقيقي ليس إعلان مسافة سياسية من واشنطن وبكين، بل خلق بيئة تنافسية محلية تسمح بتراكم المعرفة والتكنولوجيا داخليًا، لأن اقتصاد الذكاء الاصطناعي يتميز بعوائد متزايدة تجعل الفائز يحصد معظم السوق".
وأشار راجو إلى أن هذه القمة تأتي في وقت يشهد فيه العالم تحولًا عميقًا من منطق "العولمة المفتوحة" إلى منطق "تقليل المخاطر" وإعادة توطين سلاسل الإمداد الحساسة، خصوصًا في قطاع أشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة، وهو ما يجعل مسألة السيادة الرقمية محورًا أساسيًا في النقاشات.
ووفقًا للخبير الاقتصادي الفرنسي، فإن الهند، التي تمتلك قاعدة بشرية ضخمة في مجالات البرمجة والهندسة، تسعى إلى استثمار هذا الرصيد لتحويل نفسها إلى مركز عالمي لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع تقليل اعتمادها على البنى التحتية الأجنبية.
ورأى أن بناء "طريق ثالث" فعلي يظل رهينًا بعدة عوامل، من بينها حجم التمويل المتاح، والقدرة على جذب الكفاءات، وتطوير بنية تحتية حوسبية متقدمة، وإقامة شراكات استراتيجية لا تضعف الاستقلالية المعلنة.
وتابع: "تمثل قمة نيودلهي اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى الصاعدة على كسر الاستقطاب الثنائي في الاقتصاد الرقمي العالمي"، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ملف تقني، بل أصبح عنوانًا لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين.
ويأتي انعقاد القمة في سياق عالمي يتسم بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، واحتدام المنافسة على الرقائق المتقدمة، والبنية السحابية، والنماذج اللغوية الضخمة. وفي ظل هذا المشهد، تسعى الهند إلى تثبيت موقعها، ليس فقط كسوق ضخمة للتكنولوجيا، بل كمنتِج ومطوّر ومنظّم قادر على التأثير في قواعد اللعبة.