توقعات سعر الذهب.. المؤسسات المالية تجري مراجعات جماعية بعد خفوت البريق
تواجه سوق الذهب مرحلة جديدة من التحديات بعد سنوات من الصعود القوي الذي دفع المعدن النفيس إلى تسجيل مستويات قياسية.
وبدأت المؤسسات المالية العالمية في إعادة تقييم توقعاتها بشأن مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة، وسط تغير واضح في توجهات السياسة النقدية الأمريكية وتراجع الآمال بشأن خفض أسعار الفائدة بوتيرة سريعة.
وأصبح الذهب، الذي استفاد خلال الأعوام الماضية من المخاوف الاقتصادية والجيوسياسية وعمليات شراء مكثفة من جانب البنوك المركزية، أكثر عرضة لضغوط جديدة مع ارتفاع جاذبية الأصول ذات العوائد، خصوصًا السندات الأمريكية، نتيجة استمرار التشدد النقدي وارتفاع العوائد الحقيقية، لينخفض دون 4 آلاف دولار للأوقية للمرة الأولى منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
ورغم أن النظرة طويلة الأجل تجاه الذهب لا تزال إيجابية لدى عدد كبير من المؤسسات الاستثمارية، فإن عدداً متزايداً من البنوك الكبرى بدأ في خفض مستهدفاته السعرية للمعدن النفيس خلال عام 2026، مشيراً إلى أن البيئة الحالية تختلف عن الظروف التي ساعدت الذهب على تحقيق مكاسب تاريخية خلال الفترة الماضية.
توقعات دويتشه بنك
"دويتشه بنك" تصدر المؤسسات المالية التي أجرت مراجعة لتوقعاتها بشأن أسعار الذهب، حيث خفض مستهدفاته للمعدن الأصفر بنسبة وصلت إلى 22%، ما يعكس تراجع قوة العوامل التي دعمت موجة الصعود السابقة.
ووفقاً لتقديرات البنك، من المتوقع أن يسجل الذهب نحو 4300 دولار للأونصة خلال الربع الثالث من عام 2026، قبل أن يرتفع إلى حدود 4800 دولار للأونصة خلال الربع الأخير من العام. ورغم أن هذه المستويات لا تزال مرتفعة مقارنة بالمستويات التاريخية، فإنها تمثل تراجعاً واضحاً عن التوقعات السابقة التي كانت أكثر تفاؤلاً بشأن استمرار الصعود القوي.
وأشار البنك، إلى أن الضغوط الحالية على الذهب لا ترتبط بعامل واحد فقط، بل نتيجة مجموعة من التطورات في الأسواق العالمية، يأتي في مقدمتها تغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة الأمريكية، إلى جانب تراجع الطلب الاستثماري على المعدن النفيس.

تراجع الطلب الاستثماري يضغط على الذهب
يرى محللو "دويتشه بنك"، أن أحد أبرز أسباب ضعف الزخم الصعودي للذهب هو استمرار خروج بعض المستثمرين من صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالمعدن النفيس، وهي الصناديق التي كانت خلال السنوات الماضية من أهم مصادر الطلب في السوق العالمية.
كما أشار البنك، إلى أن التداول في السوق الصينية يشهد خصومات مقارنة بأسعار العقود الأميركية، ما يعكس ضعفاً نسبياً في الطلب الفعلي من أحد أكبر الأسواق العالمية للذهب، الأمر الذي يحد من قدرة هذا الطلب على دعم الأسعار.
واستفاد الذهب بقوة من المخاوف التضخمية وارتفاع التوترات الجيوسياسية، حيث لجأ المستثمرون إلى المعدن النفيس باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة للحفاظ على القيمة خلال فترات عدم اليقين. لكن مع تغير الظروف الاقتصادية، بدأت الصورة في التحول، إذ أصبحت عوائد السندات الأمريكية المرتفعة أكثر جذباً لبعض المستثمرين مقارنة بالذهب الذي لا يوفر دخلاً ثابتاً.
بنك أوف أمريكا يحذر من تراجع فرص الصعود
جاءت مراجعة "دويتشه بنك" بعد تحذيرات مشابهة من محللي "بنك أوف أمريكا"، الذين استبعدوا في الوقت الحالي وصول الذهب إلى مستويات 6000 دولار للأونصة، وهي المستويات التي كانت بعض التوقعات المتفائلة قد أشارت إليها في سيناريوهات سابقة.
وأوضح البنك، أن السوق الحالية تختلف بشكل كبير عن المرحلة التي دفعت الذهب إلى الارتفاعات القياسية، خصوصاً مع قوة الدولار الأمريكي وعودة الاحتياطي الفيدرالي إلى لهجة أكثر تشدداً بشأن السياسة النقدية.
وبحسب تقديرات البنك، فإن تحول توقعات المستثمرين من احتمالات خفض الفائدة إلى إمكانية استمرار الفائدة المرتفعة أو حتى رفعها، يقلل من فرص استمرار موجة الصعود السريع للذهب.
ومع ذلك، حافظ "بنك أوف أمريكا" على رؤيته الإيجابية طويلة الأجل، مشيراً إلى وجود عوامل هيكلية ما زالت تدعم الذهب، أبرزها استمرار ارتفاع مستويات الدين والعجز في الولايات المتحدة، إضافة إلى رغبة البنوك المركزية العالمية في تقليل الاعتماد على الدولار ضمن احتياطياتها.

غولدمان ساكس يخفض توقعاته لسعر الذهب
بدوره، أعلن بنك "غولدمان ساكس" خفض توقعاته لسعر الذهب بنهاية عام 2026 بمقدار 500 دولار للأونصة، لتصل توقعاته الجديدة إلى 4900 دولار للأونصة بسبب انخفاض احتمالات خفض أسعار الفائدة الأمريكية خلال عام 2026، بعدما أجل اقتصاديون لدى البنك توقعاتهم بشأن أول خفض محتمل للفائدة إلى منتصف العام المقبل.
ورغم ذلك، لا يزال "غولدمان ساكس" يرى إمكانية تحقيق الذهب مكاسب إضافية خلال النصف الثاني من العام، مستنداً إلى استمرار الطلب الرسمي من البنوك المركزية، لكنه حذر من وجود مخاطر هبوطية على المدى القصير.
وأشار البنك، إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة قد يقلل من جاذبية الذهب كأداة للتحوط من المخاطر الاقتصادية والمالية، خصوصاً في حال استمرار تحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات العوائد. وفي سيناريو أكثر تشدداً من جانب الاحتياطي الفيدرالي، توقع البنك إمكانية تراجع أسعار الذهب إلى مستويات تقارب 4400 دولار للأونصة بنهاية العام.
سيتي غروب يخفض مستهدفاته
لم يكن بنك "سيتي غروب" بعيداً عن هذا الاتجاه، حيث هفض بدوره توقعاته لسعر الذهب خلال فترة ثلاثة أشهر تمتد حتى نهاية أغسطس/آب المقبل، لتتراجع من 4300 دولار للأونصة إلى 4000 دولار.
وأشار البنك، إلى أن الذهب أصبح أكثر حساسية خلال الفترة الحالية لأي تغير في توقعات السياسة النقدية الأمريكية، خصوصاً أن قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن الفائدة أصبحت العامل الرئيسي الذي يحدد اتجاهات المستثمرين في الأسواق العالمية.
سوق الذهب أمام واقع جديد
تعكس هذه التوقعات المتباينة واقعاً جديداً في سوق الذهب، حيث لم تعد المخاوف التضخمية وحدها كافية لدفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة، خصوصاً مع تراجع بعض المخاطر الجيوسياسية وعودة العوائد المرتفعة إلى سوق السندات الأمريكية، بحسب خبير المشغولات الذهبية، أمير رزق.
وأضاف رزق لـ"العين الإخبارية"، أن العوائد الحقيقية على السندات تعد من أكبر التحديات أمام الذهب في الوقت الحالي، حيث إن ارتفاعها يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالمعدن النفيس مقارنة بالأصول التي تحقق عائداً.
وأشار إلى أن المستثمرين أصبحوا يميلون بشكل أكبر إلى الاحتفاظ بالسندات أو السيولة النقدية في ظل البيئة الحالية، ما يؤدي إلى انخفاض تدفقات الاستثمار نحو الذهب على المدى القصير.
مشتريات البنوك المركزية
رغم الضغوط التي يواجهها الذهب، فإن هناك عاملاً رئيسياً لا يزال يمنح السوق دعماً قوياً، وهو استمرار مشتريات البنوك المركزية حول العالم، التي أكد مجلس الذهب العالمي أنها تظل واحدة من أهم الدعائم الأساسية للسوق خلال الفترة المقبلة.
وأظهر استطلاع أجراه المجلس، أن نحو 89% من البنوك المركزية تتوقع ارتفاع احتياطياتها من الذهب خلال العام المقبل، بينما تخطط 45% منها لزيادة مشترياتها خلال الاثني عشر شهراً المقبلة.
وخلال السنوات الماضية، ساهم الطلب الرسمي من البنوك المركزية في دعم الذهب بشكل كبير، حيث سعت العديد من الدول إلى زيادة احتياطياتها من المعدن النفيس وتنويع أصولها بعيداً عن الدولار الأمريكي.
