«تسعير السلام».. اتفاق أمريكا وإيران يقلب موازين النفط والذهب والعملات
الاتفاق الأمريكي الإيراني لم يكن مجرد تطور سياسي، بل تداعياته تحولت خلال ساعات إلى موجة إعادة تسعير شاملة ضربت أسواق النفط والذهب والأسهم والعملات، مع تباين واضح في اتجاهات المستثمرين بين التفاؤل بالنمو والقلق من السياسة النقدية.
لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى أسواق المال العالمية كأحد أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها في تقييم نجاح اتفاق السلام المثير للجدل مع إيران، مستندا إلى ردود الفعل الفورية التي أظهرت ارتياحا واضحا في تداولات النفط والأسهم والعملات عقب الإعلان عن الاتفاق.
بعد لحظات قليلة من توقيع الاتفاق في قصر فرساي، أشار ترامب في مقطع مصور نشره البيت الأبيض إلى أن الأسواق المالية بدأت تعكس ما وصفه بـ"نتائج السلام"، موضحا أن أسعار النفط تتراجع بشكل ملحوظ في حين تحقق أسواق الأسهم مكاسب مباشرة، في إشارة إلى أن المستثمرين استقبلوا الاتفاق بتفاؤل بشأن خفض التوترات الجيوسياسية.
أسواق الطاقة
في أسواق الطاقة، جاء التأثير مباشرا وحادا، إذ تراجع النفط مع تسعير الأسواق لاحتمال عودة الإمدادات الإيرانية إلى السوق العالمية بعد التفاهم الذي نص على تهدئة التصعيد وإعادة فتح ممرات الملاحة في مضيق هرمز.
وخلال جلسة الخميس، تراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ ما قبل اندلاع الحرب نهاية فبراير/شباط الماضي، ليستقر خام برنت عند 77.69 دولار للبرميل، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي نحو 74.90 دولار للبرميل.
قالت خبيرة الاقتصاد والطاقة في مصر، وفاء علي، إن التحركات تعكس استعداد المتعاملين لسيناريو دخول خامات إضافية من إيران بوتيرة أسرع من التقديرات السابقة، خاصة في ظل بنود الاتفاق التي تتضمن فترة تفاوض تمتد 60 يوماً، وعادة انسياب حركة الشحن عبر مضيق هرمز خلال 30 يوماً.

وأضافت لـ"العين الإخبارية"، أن هذا التحول أعاد تشكيل توقعات السوق من مرحلة شح محتمل في الإمدادات إلى احتمالات فائض تدريجي في المعروض خلال الفترة المقبلة، مضيفة أنه مع تراجع النفط، بدأت الأسواق بإعادة تقييم توقعات التضخم عالمياً، إذ أدى انخفاض أسعار الطاقة إلى تهدئة المخاوف من موجة تضخمية جديدة.
وتوقعت أن يؤدي الاتفاق إلى ضخ أكثر من 85 مليون برميل من النفط العالق إلى الأسواق العالمية، وعودة الصادرات الإيرانية تدريجيا بعد رفع العقوبات، ما يعزز وفرة الإمدادات خلال الفترة المقبلة ويزيد من الضغوط على الأسعار، خاصة إذا استمرت حركة الملاحة عبر هرمز بشكل طبيعي دون اضطرابات.
ومع ذلك، أشارت إلى أن تأثير هذه الزيادة في المعروض سيظل مرتبطا بوتيرة استئناف الشحنات الإيرانية ومدى التزام الأطراف ببنود الاتفاق، مؤكدة أن أي تعثر في تنفيذ التفاهمات قد يحد من الهبوط المتوقع في أسعار النفط أو يبطئه.
سوق الذهب
في سوق الذهب، ظهر التذبذب بوضوح، إلا أن المعدن النفيس يتجه نحو تسجيل ثالث انخفاض أسبوعي على التوالي، في ظل استمرار قوة الدولار الأمريكي وتزايد توقعات تشديد السياسة النقدية من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما قلل من جاذبية المعدن النفيس الذي لا يدر عائدا.
وخلال تعاملات الجمعة انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.5% ليسجل 4189.26 دولار للأوقية، بينما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة تسليم أغسطس/آب بنسبة 0.9% إلى 4207.80 دولار للأوقية، وسط ضغوط ناتجة عن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وعمليات بيع لجني الأرباح في الأسواق العالمية.
أكد المدير التنفيذي لمنصة “آي صاغة” في مصر، سعيد إمبابي، أن أسعار الذهب تواجه ضغوطاً واضحة نتيجة تشدد السياسة النقدية الأمريكية، وارتفاع مؤشر الدولار إلى مستويات قوية، إلى جانب صعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما يقلل من جاذبية المعدن النفيس كأصل لا يدر عائداً.
ومع ذلك، أضاف إمبابي لـ"العين الإخبارية"، أن الطلب الاستثماري على الذهب ما زال حاضراً باعتباره ملاذاً للتحوط من التضخم والمخاطر الاقتصادية، وهو ما يحد من حدة التراجعات.
وأشار إلى أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة ساهمت في تهدئة نسبية للأسواق، ما انعكس بشكل غير مباشر على توقعات التضخم العالمية، الأمر الذي ساعد الذهب على استعادة جزء من خسائره خلال جلسات لاحقة، رغم استمرار الضغوط.
ولفت إلى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني أعاد تشكيل خريطة المخاطر العالمية وخفض جزئياً الطلب على الملاذات الآمنة، مع بقاء حالة من عدم اليقين بشأن التنفيذ الكامل للاتفاق، وهو ما يوفر قدراً من الدعم النسبي للأسعار.

أسواق الأسهم
كانت أسواق الأسهم الأكثر استفادة من التحول في المزاج الاستثماري العالمي، إذ قادت البورصات الآسيوية موجة صعود قوية مدفوعة بتراجع أسعار الطاقة وتحسن توقعات النمو. وسجل مؤشر كوسبي الكوري قفزة بنسبة 2.25% ليغلق عند مستوى قياسي جديد بلغ 9063.84 نقطة، مدعوماً بارتفاع أسهم التكنولوجيا.
وفي الولايات المتحدة، اتسمت التداولات بحذر نسبي، رغم تسجيل العقود الآجلة لمؤشرات وول ستريت مكاسب، حيث ارتفع مؤشر إس آند بي 500 بنسبة 0.7% وناسداك 1.1%، مدعومين بتحسن شهية المخاطرة، لكن المخاوف من استمرار تشديد السياسة النقدية حدّت من الزخم الصعودي. كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة قبل أن تتراجع جزئياً، في انعكاس مباشر لحالة التذبذب بين توقعات النمو وضغوط التضخم.
ارتفعت الأسهم الأوروبية، حيث صعد سجل المؤشر ستوكس 600 مكاسب أسبوعية بنسبة 1.7% ليستقر عند 633.21 نقطة، وتصدر إيبكس 35 الإسباني مكاسب مؤشرات البورصات الأوروبية بتقدمه بأكثر من 2.6% ولامس أعلى مستوياته على الإطلاق.
قالت خبيرة أسواق المال في مصر، حنان رمسيس، إن وول ستريت شهدت تحسنًا في شهية المخاطرة عقب الاتفاق الأمريكي الإيراني، إلا أن المكاسب جاءت متفاوتة بين القطاعات المختلفة، حيث لم يشهد السوق صعودًا شاملًا.
وأوضحت رمسيس، أن توقعات استمرار الاتجاه الصاعد ترتبط بعدة عوامل رئيسية، من بينها توجهات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، ومستويات عوائد السندات الأمريكية، إضافة إلى قوة نتائج أرباح الشركات المدرجة خلال الفترة الحالية.

أسواق العملات
وفي أسواق العملات، واصل الدولار خلال تعاملات الخميس تعزيز مكاسبه قرب أعلى مستوى له في أكثر من عام، مدعوماً بقرار الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، إلى جانب تبني البنك لهجة أكثر تشدداً عززت توقعات الأسواق بشأن احتمالات رفع الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وأبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مستقرة ضمن نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، وذلك خلال أول اجتماع بقيادة رئيسه الجديد كيفن وورش، الذي بدأ ولايته بإجراء مراجعة واسعة للسياسات النقدية المعتمدة.
وأظهرت توقعات صناع السياسة النقدية داخل الفيدرالي زيادة المخاوف بشأن التضخم، حيث أصبح ما يقرب من نصف أعضاء البنك يتوقعون رفع أسعار الفائدة خلال العام الجاري، وهو ما دعم قوة الدولار أمام العملات الرئيسية.
وتعرض الين الياباني لضغوط إضافية مع اتساع فجوة السياسة النقدية، مسجلاً أدنى مستوياته منذ يوليو/تموز 2024، في وقت يترقب فيه المستثمرون أي تدخل محتمل من السلطات اليابانية. في المقابل، استفادت العملات المرتبطة بالمخاطرة مثل الدولار الأسترالي والنيوزيلندي من تحسن المزاج العام للأسواق.
وذكرت رمسيس، أن الاتفاق الأمريكي الإيراني رسم خريطة المخاطر في الأسواق العالمية، إذ خسر النفط جزءاً كبيراً من علاوة الحرب، وتذبذب الذهب بين الملاذ الآمن وضغوط الفائدة، بينما استفادت الأسهم من تحسن التوقعات الاقتصادية، في حين بقيت العملات عالقة بين قوة الدولار وسياسات البنوك المركزية.
ولفتت إل أن الحدث ليس مجرد اتفاق سياسي، بل نقطة إعادة تسعير واسعة أعادت ترتيب موازين الأسواق العالمية خلال جلسات قليلة، مع استمرار حالة عدم اليقين حول مدى استدامة هذا الهدوء الجيوسياسي وتأثيره على السياسات النقدية في المرحلة المقبلة.