دروس مالي.. الإخفاق الروسي إنذار استراتيجي للغرب
بدت استعادة الجيش المالي لمدينة كيدال الاستراتيجية أواخر عام 2023، بدعم مباشر من "فيلق أفريقيا" الروسي، وكأنها نقطة تحول في موازين القوى بمنطقة الساحل الأفريقي.
فقد روّج المجلس العسكري الحاكم في باماكو للعملية باعتبارها إنجازًا تاريخيًا أنهى سنوات من العجز عن بسط سيطرة الدولة على شمال البلاد، فيما استثمرت موسكو هذا التطور لتقديم نفسها شريكًا أمنيًا أكثر فاعلية من القوى الغربية، مستغلة تراجع النفوذ الأوروبي والأمريكي في المنطقة وتصاعد مشاعر السخط تجاه سياساتهما.
غير أن هذا المشهد، حسب مجلة "ناشيونال إنترست"، لم يدم طويلًا. فبعد أقل من ثلاث سنوات، تلقى المشروع الروسي ضربة قاسية مع تعرض العاصمة باماكو وعدد من المدن المالية، في 25 أبريل/نيسان 2026، لهجمات منسقة أسفرت عن مقتل وزير الدفاع وسقوط قواعد عسكرية في شمال البلاد.
وأعلنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، المرتبطة بتنظيم القاعدة، مسؤوليتها عن الهجمات بالتعاون مع مقاتلين من جبهة تحرير أزواد، في تطور كشف عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين الجماعات المتشددة والانفصالية.
وزادت الضربة التي استهدفت في يوليو/تموز قافلة مشتركة تضم نحو 300 جندي روسي ومالي من حجم الأزمة، بعدما أكدت أن القوات الروسية باتت تواجه تحالفًا ميدانيًا أكثر تعقيدًا وتنظيمًا مما واجهته منذ دخولها البلاد.
هذا التدهور السريع سلّط الضوء على هشاشة الاستراتيجية الروسية في أفريقيا، والتي قامت خلال السنوات الماضية على استغلال الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو لتوسيع نفوذها الإقليمي.

وقدمت موسكو نفسها بديلاً للغرب من خلال دعم الأنظمة العسكرية دون اشتراط إصلاحات سياسية أو معايير للحكم الرشيد، مع الاعتماد على الحلول الأمنية الصلبة والقوة العسكرية بوصفها الوسيلة الأساسية لمواجهة التمرد، رغم ما رافق ذلك من اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
لكن الأحداث الأخيرة كشفت حدود هذا النهج؛ إذ اضطر مئات من عناصر "فيلق أفريقيا"، الوريث الرسمي لمجموعة فاغنر، إلى الانسحاب من مواقعهم في شمال مالي عقب الهجمات، بل والدخول في ترتيبات لتأمين ممرات آمنة عبر قوى كان الهدف الأصلي من وجودهم القضاء عليها.
وهو تطور اعتبره مراقبون دليلًا واضحًا على تراجع فاعلية النموذج الأمني الروسي وفشل الدعاية التي قدمته باعتباره البديل القادر على تحقيق الاستقرار في الساحل.
أزمة الساحل تتجاوز موسكو.. والفراغ الأمني يهدد الجميع
ورغم أن تعثر المشروع الروسي قد يبدو مكسبًا جيوسياسيًا للغرب، فإن خبراء يحذرون من أن التعامل مع ما يحدث بمنطق الشماتة سيكون خطأً استراتيجيًا.
فالخاسر الأكبر ليس موسكو، بل شعوب منطقة الساحل التي تواجه واحدة من أعقد الأزمات الأمنية والاقتصادية في العالم، في ظل ضعف مؤسسات الدولة، واتساع رقعة الفقر، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع متوسط العمر المتوقع في مالي إلى نحو 61 عامًا.
وتوفر هذه الظروف بيئة مثالية لتوسع الجماعات المتشددة، التي تواصل تعزيز نفوذها واستقطاب مزيد من المقاتلين.
وتشير تقديرات مراكز بحثية متخصصة إلى أن غرب أفريقيا أصبح اليوم أحد أخطر بؤر النشاط الإرهابي في القارة، مع امتداد العمليات المسلحة من المناطق الصحراوية النائية إلى مناطق أكثر كثافة سكانية، وظهور مؤشرات على توسع التهديد نحو الدول الساحلية المجاورة.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن الاستراتيجية القائمة على استخدام القوة العسكرية وحدها، سواء بصيغتها الغربية السابقة أو بنسختها الروسية الحالية، لم تنجح في معالجة جذور الأزمة.
فالمشكلة الأساسية تكمن في الفراغ السياسي والاقتصادي والمؤسسي الذي يدفع الحكومات الضعيفة إلى البحث عن أي داعم خارجي، بغض النظر عن سجله أو أهدافه، بينما تستغل التنظيمات المتشددة هذا الواقع لتوسيع نفوذها.
ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أن فشل موسكو لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نهاية للأزمة، بل فرصة لإعادة صياغة مقاربة أكثر شمولًا تجاه منطقة الساحل. فاستعادة الاستقرار تتطلب استراتيجية طويلة الأمد تجمع بين الدعم الأمني والتنمية الاقتصادية وتعزيز مؤسسات الحكم الرشيد، بما يساعد المجتمعات المحلية على مقاومة التطرف وتجفيف مصادر التجنيد.
وفي ظل تصاعد المخاطر الأمنية، تبدو مسؤولية الولايات المتحدة وحلفائها اليوم أكبر من مجرد احتواء النفوذ الروسي، لتشمل الاستثمار في بناء استقرار مستدام يمنع تحول مالي ومنطقة الساحل إلى ملاذ دائم للتنظيمات الإرهابية التي قد تمتد تهديداتها إلى ما هو أبعد من أفريقيا.