واشنطن والساحل.. 3 خطوات أمريكية حاسمة لـ«بناء النفوذ»
بدأت الولايات المتحدة في إعادة صياغة مقاربتها تجاه منطقة الساحل الأفريقي، في تحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الضغط لم يحقق أهدافه.
وبعد سنوات من فتور العلاقات مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، شرعت واشنطن في إعادة فتح قنوات التواصل مع حكومات الدول الثلاث، إلا أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تزال أقل بكثير من مستوى التحديات التي تواجهها المنطقة، والتي باتت تمتد تداعياتها إلى الأمن الدولي والمصالح الأمريكية نفسها.
ووفقا لتقرير مجلة "ناشيونال إنترست"، تشهد منطقة الساحل اليوم أخطر مراحلها الأمنية منذ سنوات، بعدما بلغت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي، أعلى مستوياتها العملياتية منذ تأسيسها، في وقت تصدرت فيه مالي وبوركينا فاسو والنيجر قائمة الدول الأكثر تضررًا من الإرهاب وفق مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026.
وجاءت الهجمات المنسقة التي استهدفت ثلاث مدن مالية في أواخر أبريل/نيسان الماضي، لتؤكد حجم التدهور الأمني وثمن الفراغ الذي خلفه تراجع الانخراط الأمريكي في المنطقة، على حد قول المجلة.
"نتائج عكسية"
يجمع مراقبون على أن جزءًا كبيرًا من هذا الواقع يعود إلى السياسة التي تبنتها واشنطن عقب وصول المجالس العسكرية إلى السلطة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين عامي 2020 و2023، إذ اعتمدت الولايات المتحدة سياسة الضغط المشروط، وربطت المساعدات بإعادة الحكم المدني، كما علّقت التعاون العسكري مع الحكومات الجديدة.

إلا أن هذه المقاربة لم تحقق هدفها السياسي، بل دفعت الدول الثلاث، التي كانت تواجه تهديدات أمنية متفاقمة، إلى البحث عن شركاء بديلين لا يفرضون شروطًا سياسية، الأمر الذي أتاح لقوى دولية منافسة توسيع نفوذها في المنطقة.
بينما استمرت الجماعات الإرهابية في تعزيز قدراتها، لتصبح نتائج سياسة العزلة، وفق كثير من التقديرات، عكسية على المستويين الأمني والاستراتيجي.
وفي ضوء هذا التقييم، بدأت واشنطن بالفعل اتخاذ خطوات لإعادة الانخراط مع دول الساحل، عبر التركيز على المصالح المشتركة وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الاقتصادي.
وشملت هذه الخطوات رفع العقوبات عن عدد من كبار مسؤولي الدفاع في مالي، واستئناف الاتصالات الأمنية، مع توقعات بعودة تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب توقيع اتفاقية تعاون صحي مع بوركينا فاسو لمدة 5 سنوات بقيمة 147 مليون دولار، فضلًا عن زيارات أجراها مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى إلى بوركينا فاسو والنيجر بهدف إعادة بناء الثقة مع حكومات المنطقة.
ثلاث خطوات عاجلة
رغم أهمية هذه التحركات، فإنها لا تزال بحاجة إلى استكمالها عبر 3 مسارات رئيسية يمكن أن تعيد صياغة الدور الأمريكي في الساحل وتحد من تمدد الجماعات المتطرفة.
أولى هذه الخطوات تتمثل في مراجعة حظر السفر والعقوبات المفروضة على الدول الثلاث. فقد أدى إدراج مالي وبوركينا فاسو والنيجر على قائمة حظر السفر الأمريكية في ديسمبر/كانون الأول 2025، رغم مبرراته المرتبطة بأمن الحدود، إلى إضعاف الرسائل الدبلوماسية التي تسعى واشنطن إلى ترسيخها، كما وفر مادة دعائية للتيارات المناهضة للولايات المتحدة، وفق "ناشونال إنترست".
كذلك، فإن القيود المفروضة على الإقراض متعدد الأطراف والتمويل الدولي تتعارض مع الهدف الأمريكي المعلن بالانتقال من سياسة المساعدات التقليدية إلى تشجيع التجارة والاستثمار، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لهذه الإجراءات بما يخدم الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في استبدال نموذج المساعدات بنموذج الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل؛ إذ أكدت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 ضرورة التحول نحو تعزيز التجارة والاستثمار مع أفريقيا، وهو توجه يتوافق مع أولويات حكومات الساحل التي تمتلك احتياطيات ضخمة من اليورانيوم والليثيوم والذهب وغيرها من المعادن الاستراتيجية.
ويتطلب ذلك أن تضطلع مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية بدور أكثر فاعلية عبر توفير ضمانات للمخاطر، وتمويل مشروعات البنية التحتية، وإنشاء ممرات لوجستية تربط دول الساحل غير الساحلية بالأسواق العالمية، بما يجعل الاستثمارات الأمريكية قادرة على منافسة الحضور الاقتصادي المتنامي لقوى دولية أخرى.
المسار الثالث يرتبط بإعادة بناء التعاون العسكري والأمني. فقد أنشأت مالي وبوركينا فاسو والنيجر قوة مشتركة تضم نحو 15 ألف جندي لمواجهة التنظيمات الإرهابية، إلا أن نجاح هذه القوة يعتمد إلى حد كبير على توافر التدريب والتجهيز والدعم الاستخباراتي الذي تمتلك الولايات المتحدة خبرة واسعة في تقديمه.
ومن هذا المنطلق، فإن استعادة الشراكة الأمنية مع دول الساحل لا تمثل خيارًا بين التدخل والحياد، بل بين استعادة النفوذ أو ترك الساحة بالكامل لقوى أخرى تملأ الفراغ الذي خلفه الانسحاب الأمريكي.

دور توغو المحوري
أظهرت توغو خلال الأشهر الماضية أن الحوار لا يزال ممكنًا، بعدما استضافت العاصمة لومي أول لقاء رسمي منذ نحو عام بين تحالف دول الساحل والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، بمشاركة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ولم يكن الاجتماع مجرد حدث دبلوماسي، بل محاولة لإعادة بناء الحد الأدنى من التوافق الإقليمي عبر استراتيجية الساحل 2026-2028، التي تضع الأمن والتنمية والتكامل الاقتصادي في إطار واحد.
كما لا تزال الفرصة قائمة أمام واشنطن لاستعادة دورها في الساحل، لكنها تضيق بسرعة. فالتعامل مع المنطقة باعتبارها ملفًا هامشيًا أو أزمة مؤقتة لم يعد خيارًا واقعيًا.
وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى حماية مصالحها ومنافسة خصومها والحد من تمدد الإرهاب، فإن ذلك يتطلب استراتيجية تقوم على الانخراط طويل الأمد، لا إدارة الأزمات من مسافة بعيدة، وفق "ناشونال إنترست".