حرب إيران تعيد ترتيب أولويات ترامب.. وهامش أوسع لإسرائيل في غزة
التصعيد العسكري بين أمريكا وإيران يعيد ترتيب أولويات إدارة دونالد ترامب، كما يمنح إسرائيل مساحة أوسع للتحرك في قطاع غزة.
وبحسب موقع «ريسبونسبل ستيت كرافت»، فإن بقاء إيران في صدارة المشهد الإقليمي لطالما خدم الرؤية الإسرائيلية، إذ أسهم في تحويل الأنظار عن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومن هذا المنطلق، ترى إسرائيل في استمرار المواجهة مع طهران عاملًا يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء عبر إطالة أمد الصراع أو إجهاض أي مسار دبلوماسي من شأنه تخفيف التوتر بين الجانبين.
وفي ظل انشغال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإدارة المواجهة مع إيران، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة، في حين تراجع الملف الفلسطيني على سلم أولويات البيت الأبيض.
وانعكس ذلك بصورة مباشرة على خطة السلام التي طرحها ترامب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والمكونة من عشرين بندًا، بعدما تعثر تنفيذ معظم بنودها.
كما بات التركيز الأمريكي منصبًا على الحيلولة دون أي خطوات إسرائيلية قد تهدد وقف إطلاق النار مع إيران، أكثر من دفع العملية السياسية في غزة إلى الأمام.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف، بل استمرت بوتيرة متفاوتة قبل أن تشهد تصعيدًا جديدًا.
وتشير المعطيات إلى مقتل أكثر من ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على ثلاثة آلاف آخرين منذ بدء تنفيذ الاتفاق، فيما تواصلت العمليات بالتزامن مع الحرب على إيران.
بنود متعثرة
يضع استهداف مركز الشرطة في جباليا ضمن سياق أوسع يستهدف البنية المدنية في قطاع غزة، بما يشمل المستشفيات والطواقم الطبية والمدارس والمعلمين وأجهزة الشرطة.
ووفقًا لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تعرضت الشرطة في القطاع لما لا يقل عن اثني عشر هجومًا منذ بداية العام، أسفرت عن مقتل ثلاثة وخمسين شخصًا على الأقل، كانوا يؤدون مهام مدنية تتعلق بتنظيم المرور وتأمين الأسواق.
وفي المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي التأكيد، من دون تقديم أدلة، أن بعض عناصر الشرطة الذين استُهدفوا كانوا ينتمون إلى حركة حماس.
ولا يقتصر التعثر على وقف إطلاق النار، بل يشمل معظم بنود الخطة الأمريكية، إذ لم يتحقق أي تقدم ملموس في تنفيذها.
فلم تنسحب القوات الإسرائيلية من القطاع، بل عزز الجيش وجوده على طول ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وأقام تحصينات عسكرية كرست سيطرته على أكثر من نصف مساحة غزة، بعدما توسعت رقعة نفوذه خلال الأشهر الأخيرة من نحو 53 إلى ما يقارب 60% من مساحة القطاع.
ورغم أن خطة ترامب تنص على استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة دون تدخل أي من الطرفين، فإن الواقع الإنساني لا يزال بالغ الصعوبة نتيجة القيود الإسرائيلية.
فقد مُنعت منظمات إغاثة دولية من العمل داخل القطاع، كما فرضت إسرائيل قيودًا على إدخال مواد أساسية، بينها أكياس النوم والمراحيض المتنقلة ومعدات أخرى، باعتبارها مواد "ذات استخدام مزدوج" يمكن استخدامها، بحسب الرواية الإسرائيلية، في أغراض عسكرية.
وفي الجانب الإداري، نصت الخطة الأمريكية على تشكيل إدارة انتقالية من شخصيات فلسطينية مستقلة تحت اسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة".
إعادة الإعمار رهينة
وبحسب موقع ريسبونسبل ستيت كرافت، لا يزال ملف إعادة إعمار غزة يراوح مكانه نتيجة استمرار القيود المفروضة على إدخال معدات البناء المصنفة ضمن المواد ذات الاستخدام المزدوج، وهو ما حال دون بدء عمليات إزالة الأنقاض بصورة فعلية.
كما تراجع "مجلس السلام" الذي شكلته إدارة ترامب للإشراف على تنفيذ الخطة عن مشروع إعادة إعمار شامل للقطاع، واستبدله ببرنامج تجريبي محدود لن يستفيد منه سوى عدد محدود من السكان، مع توقعات بألا يبدأ تنفيذه قبل نهاية العام.
وفي المقابل، تُحمّل إسرائيل والمجلس حركة حماس مسؤولية تعثر الخطة بسبب احتفاظها بالسلاح.
وزعمت الحركة استعدادها للتخلي عن أسلحتها ضمن إطار خطة ترامب، لكنها ربطت ذلك بالتزام إسرائيل بجملة من البنود، تشمل وقف استهداف قادتها، والسماح بدخول قوات التحالف الوطني لمكافحة الإرهاب، وإدخال المساعدات الإنسانية دون قيود، والامتناع عن توسيع السيطرة العسكرية إلى ما بعد "الخط الأصفر".
تهجير قسري.. بشكل آخر
في المحصلة، تؤدي السياسة الإسرائيلية في قطاع غزة، وفق الطرح الذي أورده موقع ريسبونسبل ستيت كرافت، إلى دفع السكان نحو مغادرة القطاع عبر جعل الظروف المعيشية أكثر قسوة.
وما تقدم يتعارض مع البند الثاني عشر من خطة ترامب، الذي ينص صراحة على عدم إجبار أي فلسطيني على مغادرة غزة، مع تشجيع السكان على البقاء والمشاركة في إعادة إعمارها.
ورغم ما تتضمنه الخطة الأمريكية من بنود تميل في بعض جوانبها لمصلحة إسرائيل، فإنها لا تزال تمثل الإطار الأكثر قابلية للتطبيق في المرحلة الراهنة لإخراج غزة من أزمتها، خصوصًا أنها تختتم بالدعوة إلى إنشاء مسار موثوق يفضي إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم، وصولًا إلى تحقيق تعايش سلمي ومستقر بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
كما أن نتنياهو سبق أن أعلن موافقته على الخطة عند طرحها، الأمر الذي يضع الإدارة الأمريكية أمام مسؤولية استخدام نفوذها لضمان تنفيذ جميع بنودها، بما في ذلك البنود المتعلقة بمستقبل الدولة الفلسطينية.