«خريطة الرعب» في نيجيريا.. الإرهاب يتمدد ويهدد الساحل
تكشف البيانات عن مدى انتشار الهجمات الإرهابية في نيجيريا التي تعد أكثر دول أفريقيا اكتظاظًا بالسكان.
وتقع نيجيريا ضمن المنطقة الشاسعة الممتدة عبر القارة الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى والتي تعرف باسم الساحل وهي تضم ما بين 10 و13 دولة.
ويواجه عشرات الملايين من سكان منطقة الساحل آثار أزمة المناخ، والنمو السكاني المتسارع، وأزمات الغذاء المتكررة، وعدم الاستقرار السياسي، وهي عوامل أسهمت في تصاعد النزاعات المسلحة والتهديدات الإرهابية.
وخلال العشرين عامًا الماضية تقريبًا، انتقل مركز الإرهاب العالمي من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى منطقة الساحل، وفقا لما ذكرته صحيفة "الغارديان" البريطانية.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، سجلت منطقة الساحل ما يقرب نصف وفيات الإرهاب حول العالم مقارنةً بأقل من 1% من الوفيات في عام 2007، وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي.
وارتفعت حوادث العنف التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية وغيرها من الجهات الفاعلة غير الحكومية في منطقة الساحل من نحو 5800 حادثة في عام 2020 إلى أكثر من 15 ألف حادثة في عام 2024، قبل أن تنخفض قليلاً في العام الماضي.
وتشارك مئات الجماعات في أعمال العنف، وتستغل في ذلك مساحات شاسعة من البرية التي تكافح الحكومات الإقليمية للسيطرة عليها في ظل قوات أمنية تعاني من نقص التجهيزات والتمويل وتعتبر مساحات واسعة من دول المنطقة خارجة عن سيطرة الحكومات فعلياً.
ووفقاً لأحدث مؤشر عالمي للإرهاب، هناك اتجاهان في منطقة الساحل الأول هو انخفاض حاد على أساس سنوي في عدد الضحايا المدنيين جراء الإرهاب في بوركينا فاسو، حيث يبدو أن الجماعات الإرهابية تتبع نهج "كسب القلوب والعقول" لترسيخ مكاسبها الإقليمية.. وفي المقابل، هناك ارتفاع حاد في نيجيريا، حيث زادت الخسائر بنسبة 46% من 513 قتيلاً في عام 2024 إلى 750 قتيلاً في عام 2025.
في الوقت نفسه أظهرت بيانات مصدر آخر هو "خدمة مراقبة النزاعات المسلحة" أن نيجيريا سجلت في عام 2025 أعلى عدد من الجماعات المسلحة المتورطة فيما يطلق عليه "العنف السياسي" بين جميع دول منطقة الساحل.
فإلى جانب السودان الذي يشهد حربا أهلية، هناك ما يسمى بـ"مثلث انعدام الأمن" الذي يضم بوركينا فاسو وجنوب مالي وجنوب غرب النيجر، وهو موقع تمرد إرهابي مستمر منذ سنوات.
وخارج هذه البؤر الساخنة، تكشف البيانات عن الانتشار الجغرافي للعنف وشدته في نيجيريا، الدولة الأفريقية الأكثر اكتظاظًا بالسكان.
وبحسب "الغارديان"، ينشط في نيجيريا عدد كبير من الجماعات المسلحة المختلفة، التي ترتبط أحيانًا ببعضها، أو تتسلل إليها من الدول المجاورة.
وفي حين تنطوي أسوأ أعمال العنف على مواجهات بين الجماعات المسلحة والقوات الحكومية، فإن الضحايا في الغالب ما يكونوا من المدنيين أو من أفراد الجماعات المتنافسة.
ويشهد شمال غرب نيجيريا حملة عنف تشنها جماعات إجرامية مسلحة تعرف محليًا باسم "قطاع الطرق"، حيث تقوم هذه الجماعات بالخطف مقابل فدية، ونهب القرى، وفرض الضرائب وتشير التقارير إلى قطاع الطرق وجماعات الحراسة الأهلية التي تم تشكيلها لمحاربتهم باسم "الميليشيات المجتمعية".
وتنتمي هذه الجماعات إلى مجتمعات رعاة الفولاني العرقية، التي تتنافس منذ زمن طويل مع المزارعين على حقوق الأرض والمياه، وتستهدف هذه الجماعات المجتمعات الريفية في منطقة غرب نيجيريا الممتدة عبر 6 ولايات وصولاً إلى الحدود مع بنين.
وتشمل الحوادث المنسوبة إلى "جماعات مسلحة مجهولة" متشددين مرتبطين إما بجماعة "بوكو حرام" أو بجماعة "لاكوراوا" التابعة لتنظيم داعش والذين ينشطون انطلاقاً من قواعد في منتزه كاينجي الوطني.
ولطالما كان شمال شرق البلاد مركزاً للإرهاب في نيجيريا لما يقرب من عقدين وتعد جماعة "بوكو حرام" وجناحها المنشق الأكثر تطوراً "داعش غرب أفريقيا"، من أبرز الجهات الفاعلة غير الحكومية هناك واستهدفت العديد من هجماتهم الأخيرة منشآت عسكرية.
ويعمل الإرهابيون انطلاقا من قواعد في محميات الغابات، بعد إجبارهم على الخروج من المناطق المأهولة بالسكان مثل مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو حيث امتد العنف إلى الكاميرون المجاورة.
وأظهرت بيانات مركز أبحاث الأمن والحريات ومؤشر الإرهاب العالمي أنه بعد سنوات قليلة من التحسن، تفاقم انعدام الأمن في نيجيريا ومع اقتراب الانتخابات العامة في أقل من عام، باتت الأزمة محط أنظار متزايدة، سواء على الصعيد الدولي أو المحلي.
ويقول الخبراء إنّ السبب الرئيسي طويل الأمد لانعدام الأمن هو غياب الحكم الرشيد في معظم أنحاء البلاد مع تركيز السلطة على المستوى الاتحادي حيث تصل الموارد إلى الولايات بكميات محدودة.
لذا تشكل مساحات شاسعة من نيجيريا ما يطلق عليه "مناطق خارجة عن سيطرة الدولة" حيث تستطيع الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تحركها إما أيديولوجية متطرفة وإما تهميش اقتصادي أو سياسي أو عرقي أو مزيج من كل ما سبق، التحرك بحرية نسبية، والتجنيد، والتخطيط للهجمات.
ويزداد الوضع سوءًا بسبب ضعف القوات الحكومية، فرغم أن الجيش، الذي يبلغ قوامه نحو 230 ألف فرد، يعد من أكبر جيوش أفريقيا، لكنه يحارب حركات تمرد على جبهات متعددة في الشمال وحركة انفصالية في الجنوب الشرقي.
ويبلغ قوام قوة الشرطة نحو 370 ألف ضابط، أي ما يعادل ضابطًا واحدًا لكل 600 مواطن، وهو أقل من النسبة التي أوصت بها الأمم المتحدة، وهي ضابط واحد لكل 450 مواطنًا.
ويوم السبت الماضي، أعلنت الولايات المتحدة ونيجيريا أن عملية مشتركة أسفرت عن مقتل أبوبلال المينوكي، الرجل الثاني في تنظيم داعش على مستوى العالم، في شمال شرق نيجيريا.
كما استهدفت الولايات المتحدة إرهابيين في ولاية سوكوتو الشمالية الغربية أواخر العام الماضي.
وفي فبراير/شباط الماضي وصل نحو 100 جندي أمريكي إلى البلاد لتقديم المشورة للجيش النيجيري، لكن هذه الجهود لم تسهم إلا قليلًا في كبح جماح تصاعد العنف.