النفط يفقد زخم الحرب.. الأسواق تراهن على عودة الإمدادات
شهدت أسواق النفط العالمية تحولا ملحوظا في اتجاه الأسعار، بعدما تراجعت العقود الآجلة للخام بنحو 2% خلال تعاملات الخميس.
ووسجلت الأسعار أدنى مستوياتها منذ الأيام الأولى التي أعقبت اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل.
ويأتي هذا الانخفاض في أعقاب الإعلان عن اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران يهدف إلى إنهاء الحرب وتهيئة الظروف لإعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف بعض العقوبات المفروضة على طهران، وهو ما دفع المتعاملين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات في السوق العالمية.
وانعكس هذا التطور مباشرة على الأسعار، حيث انخفض خام برنت بمقدار 1.59 دولار للبرميل، أو ما يعادل 2%، ليصل إلى 77.96 دولار للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.83 دولار، أو 2.38%، ليستقر عند 74.96 دولار للبرميل.
ويكتسب هذا التراجع أهمية إضافية لأنه أوصل خام برنت إلى أدنى مستوى له منذ الثاني من مارس/آذار، وهو أول يوم تداول بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأولى ضد إيران، بينما سجل الخام الأمريكي أدنى مستوى له منذ الرابع من مارس/أذار.
ووفقا لتقرير نشره موقع "ذي غلوب آند ميل"، فإن التراجع الحالي في أسعار الخام لا يعكس فقط التفاؤل بشأن الاتفاق الأمريكي الإيراني، بل يعبر أيضا عن تلاقي عاملين رئيسيين: الأول يتمثل في تحسن توقعات الإمدادات مع احتمالات عودة النفط الإيراني وفتح مضيق هرمز، والثاني يتعلق بالمخاوف من تباطؤ الطلب العالمي نتيجة التشدد النقدي الأمريكي.
تراجع علاوة المخاطر
ويعكس هذا الهبوط السريع تغيرا في المزاج العام للأسواق، إذ كانت أسعار النفط خلال الأشهر الماضية مدفوعة بعلاوة مخاطر مرتفعة نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات، خصوصا مع التهديدات التي طالت حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم. ومع ظهور مؤشرات على إمكانية احتواء الأزمة، بدأت تلك العلاوة بالتراجع تدريجيا.
ونقل التقرير عن المحلل في شركة "كبلر"، مات ستانلي، أن الأسواق تجاوزت بالفعل المرحلة الأكثر خطورة من الأزمة، إلا أنه يؤكد أن الأوضاع ما تزال بعيدة عن العودة الكاملة إلى طبيعتها. ويعتقد أن ما يعرف بـ"علاوة مخاطر الحرب" التي رفعت أسعار النفط خلال فترة النزاع قد تم استبعاد الجزء الأكبر منها من الأسعار الحالية، وهو ما يفسر الهبوط المتواصل في السوق خلال الأيام الأخيرة.
ورغم التراجع الحالي، لا يتوقع خبراء الاقتصاد والطاقة حدوث انهيار حاد في أسعار النفط. فقد أكدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن الأسعار مرشحة لمزيد من الانخفاض التدريجي، لكنها أشارت إلى أن عوامل عدة ستحد من وتيرة التراجع، من بينها قيام الدول بإعادة ملء احتياطياتها الاستراتيجية واستمرار الطلب على الطاقة مع تعافي حركة التجارة والنقل.
زيادة تدفق الإمدادات
ونقل التقرير عن توني سيكامور، المحلل في شركة "آي جي" للأسواق المالية، أن موجة البيع الأخيرة تعكس تسعير الأسواق لاحتمال عودة الإمدادات بوتيرة أسرع من المتوقع. فالمستثمرون باتوا ينظرون إلى مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران باعتبارها خطوة عملية نحو استعادة جزء مهم من الإمدادات المفقودة خلال فترة الحرب، ما يعني تحسن ميزان العرض العالمي وتقليص الضغوط التي كانت تدفع الأسعار نحو الارتفاع.
وتتكون مذكرة التفاهم من 14 بنداً، وتؤسس لفترة تفاوض تمتد 60 يوماً بين الجانبين. وخلال هذه المرحلة، وافقت إيران على السماح بمرور السفن عبر مضيق هرمز دون رسوم أو عوائق، في خطوة تهدف إلى استعادة الثقة في سلامة خطوط الشحن الدولية.
كما ينص الاتفاق على إعادة حركة الملاحة في المضيق إلى كامل طاقتها التشغيلية خلال 30 يوماً، وهو بند يحظى باهتمام خاص من أسواق الطاقة نظراً للدور المحوري الذي يلعبه المضيق في نقل كميات ضخمة من النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
في هذا السياق، تتوقع المؤسسات البحثية وشركات الاستشارات المتخصصة تحسناً تدريجياً في تدفقات النفط وحركة الشحن عبر مضيق هرمز، لكنها لا تتوقع عودة فورية إلى الظروف الطبيعية. فإعادة بناء سلاسل الإمداد واستعادة الثقة التجارية تحتاج إلى وقت، كما أن شركات النقل البحري وشركات التأمين ستراقب تطورات المفاوضات قبل العودة الكاملة إلى مستويات النشاط السابقة.
أسابيع حاسمة
وتشير تقديرات بنك "غولدمان ساكس" إلى أن الإمدادات النفطية للمنطقة قد تعود إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول نهاية يوليو/تموز، في حين يُتوقع أن يستعيد الإنتاج النفطي كامل طاقته بحلول أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
ويرى البنك أن الوصول إلى هذا السيناريو يتطلب زيادة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بنحو 13 مليون برميل يومياً مقارنة بالمستويات الحالية، بما يسمح بعودة الحركة إلى ما يقارب 70% من مستويات ما قبل الحرب.
وكان المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، قد شدد على أهمية التوصل إلى اتفاق نهائي خلال مهلة الستين يوماً المحددة في مذكرة التفاهم.
وحذر بيرول سابقاً من أن الاقتصاد العالمي قد يدخل ما وصفه بـ"المنطقة الحمراء" إذا استمر إغلاق مضيق هرمز أو تعثرت عملية إعادة فتحه قبل نهاية يونيو/حزيران، نظراً للدور الحيوي الذي يؤديه المضيق في أمن الطاقة العالمي.
وإلى جانب التطورات الجيوسياسية، تواجه أسعار النفط ضغوطاً إضافية من الجانب الاقتصادي. فقد ارتفعت رهانات المستثمرين على احتمال قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة لمواجهة الضغوط التضخمية.
وعادة ما تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وتقليص وتيرة الاستهلاك والاستثمار، وهو ما ينعكس سلباً على الطلب العالمي على النفط.