اليوبيل الذهبي لتوحيد القوات المسلحة.. أهمية خاصة لمحطة فارقة
أهمية خاصة يحملها احتفاء الإمارات بذكرى توحيد قواتها المسلحة هذا العام 2026، وذلك لأكثر من سبب.
أول تلك الأسباب أن احتفالية هذا العام تواكب ذكرى اليوبيل الذهبي لهذا الحدث التاريخي.
ففي مثل هذا اليوم، قبل 50 عاما، وبالتحديد في السادس من مايو/أيار 1976، أقر المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأعضاء المجلس الأعلى للاتحاد القرار التاريخي بتوحيد القوات المسلحة تحت علم واحد وقيادة مركزية واحدة، تسمى القيادة العامة للقوات المسلحة.

قرار أثبتت السنوات والحقائق والوقائع أنه لم يكن مجرد خطوة تنظيمية، بل كان تأسيساً لنهج وطني يقوم على رؤية حكيمة واستراتيجية بعيدة المدى، ساهمت في توطيد دعائم الاتحاد وتعزيز مسيرته، وتوطيد أركانه وتعزيز استقراره وأمنه وازدهاره.
قرار شكل نقطة الانطلاق نحو بناء جيش وطني متطور وعصري، يصنف حاليا من بين الأقوى في المنطقة والعالم ويمتلك أسباب القوة والمنعة التي تعززت على مدار 50 عاما عبر التطوير والتحديث والتأهيل على أرفع المستويات، في مسار يتواصل بتوجيهات من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة القائد الأعلى للقوات المسلحة.

أجواء الفخر والنصر
ثاني تلك الأسباب أن احتفالية هذا العام تأتي في وقت تعيش فيه الإمارات أجواء الفخر والنصر بعد أن سطرت القوات المسلحة ملحمة بطولية في مواجهة الاعتداءات الإيرانية الإرهابية التي استهدفت البلاد، وتعاملت معها باحترافية وشجاعة وكفاءة واقتدار.
ملحمة بطولية تجلت من خلالها أهمية قرار توحيد القوات المسلحة الذي انطلقت معه مسيرة بناء درع الوطن وسيفه، لتؤكد أن هذا القرار التاريخي كان حجر الزاوية في بناء دولة قوية ومتحدة، قادرة على حماية أمنها واستقرارها وضمان مستقبل مشرق لأبنائها.
وقد أظهرت القوات المسلحة الإماراتية للعالم مدى كفاءتها العالية وجاهزيتها التامة في صد العدوان الإيراني الغاشم وإفشال كل محاولاته للنيل من أمن الوطن وزعزعت استقراره.
وسجلت بذلك إنجازا غير مسبوق في تاريخ الجيوش الحديثة على صعيد نجاح التصدي للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي استهدفت الدولة.
إنجاز كان محل فخر من الجميع، وهو ما أكد عليه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، في كلمته بمناسبة الذكرى الـ 50 لتوحيد القوات المسلحة، قائلا: "نحتفي بهذه الذكرى الوطنية المجيدة في أجواء من الفخر الوطني بعد أن سطرت قواتنا المسلحة ملحمة وطنية رائعة في مواجهة الاعتداءات الإيرانية الإرهابية التي استهدفت المدنيين والمواقع المدنية، وتعاملت معها بشجاعة وكفاءة واقتدار".
وأضاف أن "ما قامت به قواتنا المسلحة في التصدي لهذا العدوان وما أظهره أبناؤها من شجاعة وإخلاص في أداء الواجب الوطني المقدس وما قدموه من تضحيات كبيرة، سوف يُسجل بمداد من فخر وعز وشرف في أنصع صفحات تاريخنا ليؤكد أن دولة الإمارات قوية بأبنائها منيعة بوحدتها".
وأثبتت القوات المسلحة الإماراتية; منذ توحيدها وعلى مدار العقود الخمسة المتعاقبة; قدرتها على تحقيق الاستقرار الوطني والجاهزية المستمرة للدفاع عن سيادة البلاد ومصالحها ومكتسباتها الوطنية، ومواجهة التحديات الجيوسياسية، وردع كل من تسول له نفسه تهديد أمن واستقرار الإمارات، حتى أضحت دار زايد ومدنها تصنف الأكثر أمانا في العالم، بشهادات دولية.

تطوير مستمر
ثالث تلك الأسباب أن تلك المناسبة تحل في وقت أضحى فيه جيش دولة الإمارات أحد أقوى جيوش المنطقة والعالم، بفضل جهود تطويره المتواصلة على مختلف الأصعدة.
وعززت الإمارات موقعها بين أقوى جيوش العالم بحسب الترتيب الصادر عن موقع "غلوبال فاير باور"، لتحتل المرتبة 54 في عام 2026، وتحافظ على ترتيبها إقليميا كخامس أقوى الجيوش العربية.
إنجاز كان ثمرة لجهود تطوير القوات المسلحة الإماراتية التي بدأها المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويواصلها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث حققت القوات المسلحة بتوجيهاته نقلة نوعية كبيرة.
نقلة نوعية كبيرة شهدتها القوات المسلحة كماً وكيفاً في جميع أفرعها البرية والبحرية والجوية كانت نتيجة خطط ودراسات متأنية ونتيجة دعم واهتمام متواصلين من القادة وإحساساً بأهمية دور القوات المسلحة كإحدى ركائز الدولة العصرية.
وضمن أحدث جهود التطوير، أبرمت الإمارات صفقة مع الولايات المتحدة الأمريكية تتضمن شراء نظام «أسلحة القتل الدقيقة المتقدم» (APKWS) والمعدات المرتبطة به، وتُقدَّر القيمة الإجمالية لها بنحو 147.6 مليون دولار.
وقبل أيام، أصدرت الخارجية الأمريكية قرارًا بالموافقة على صفقة بيع عتاد عسكري إلى الإمارات، مؤكدة أن الدولة تُعد عاملًا مهمًا في تحقيق الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في الشرق الأوسط.
وأشارت الوزارة إلى أن الصفقة تتضمن 1500 وحدة من أقسام التوجيه (بنسخة جو–جو) من نظام APKWS-II، إضافة إلى عدد من المعدات الدفاعية غير الرئيسية.
وقالت إن الصفقة ستعزز قدرة الإمارات على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية والحفاظ عليها، وتحسين قابلية التشغيل البيني مع القوات الأمريكية، مؤكدة أن دولة الإمارات لن تواجه أي صعوبة في دمج هذه الأنظمة والخدمات ضمن قواتها المسلحة.
ويمتلك النظام أعلى معدل إصابة مثبت في القتال ضمن فئته، حيث تصيب الصواريخ المزودة بمجموعة APKWS أهدافها بدقة متناهية مع تقليل الأضرار الجانبية.
وصُممت وحدة التوجيه لتلتقط الهدف من مسافة تتجاوز 6 كيلومترات، مما يعزز فرص بقاء منصة الإطلاق ويزيد من نجاح المهمة عبر إبقاء المنصة في مسافة آمنة بعيدة عن التهديدات.
أيضا، تم يوم الإثنين، توقيع عقد لشراء طائرات من طراز C-390 ميلينيوم لصالح القوات الجوية والدفاع الجوي لدولة الإمارات.
ووقّع العقد الدكتور ناصر حميد النعيمي، الأمين العام لمجلس التوازن للتمكين الدفاعي، وبوسكو دا كوستا جونيور، الرئيس التنفيذي لشركة "إمبراير" للدفاع والأمن البرازيلية، بحضور الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة.
وتتضمن الصفقة عقودا مؤكدة لشراء 10 طائرات، مع خيارات لشراء 10 طائرات إضافية مستقبلاً.
وستساهم الطائرة الجديدة في تعزيز قدرات القوات الجوية والدفاع الجوي في تنفيذ مجموعة واسعة من المهام تشمل النقل الجوي الاستراتيجي، وإبرار القوات، والإسقاط الجوي، والدعم الإنساني والإغاثي، والإخلاء الطبي، إضافة إلى القدرة على التشغيل من مدارج غير ممهدة، وتعزيز قابلية التشغيل البيني مع القوات الوطنية وقوات الدول الصديقة والحليفة.
وتُعد هذه الصفقة أكبر تعاقد دولي منفرد لطائرة C-390 ميلينيوم، كما تمثل أول دخول للطائرة إلى منطقة الشرق الأوسط، بما يعكس توافقها مع المتطلبات التشغيلية الحديثة للقوات الجوية في البيئات المعقدة ومتعددة التهديدات.

توطين الصناعات الدفاعية
وينص العقد أيضا على تطوير قدرات شاملة للصيانة والإصلاح والعَمرة "MRO" وخدمات الدعم ما بعد البيع لطائرة "سي-390 ميلينيوم"، وذلك بالتعاون مع إحدى الشركات الدفاعية الوطنية ما من شأنه أن يدعم جهود توطين الصناعات الدفاعية وتعزيز التكامل الصناعي داخل دولة الإمارات.
وشكل نمو الصناعات الدفاعية الوطنية أحد أبـرز التحـولات الاستـراتيجية في مسيرة القوات المسلحة الإماراتية التي لم تعـد تعتمـد بالكامـل عـلى شراء الأنظمـة العسـكرية، بل أصبحـت شريكاً في تطويرهـا وإنتاجهـا.
وساهم هذا التحـول في تعزيز الاسـتقلالية الاستـراتيجية وخلـق بيئـة ابتـكار تكنولوجـي تسـاهم في الاقتصـاد الوطنـي، كـما يتيـح للقـوات المسـلحة الحصـول علـى حلـول مصممـة وفـق احتياجاتهـا العملياتيـة الخاصـة.
العنصر البشري
ورغـم التطـور المتسـارع في التكنولوجيـا العسـكرية، لا تـزال الحقيقـة الأكثـر ثباتـا هي أن الإنسـان هـو مركـز القـوة العسـكرية.
ومـن هنـا جـاء الاسـتثمار الإمـاراتي المكثـف في التأهيـل العسـكري والأكاديمـي، بـدءاً مـن الكليًـات العسـكرية الوطنيـة وصـولاً إلى برامـج التدريـب المشـركة مـع جيـوش متقدمـة حـول العـالم.
وفي هـذا السـياق، شـكّلت الخدمـة الوطنيـة، ومـا رافقهـا مـن سياسـات لبنـاء الجاهزيـة المجتمعيـة، تحـوّلاً في فهـم الأمـن والدفـاع، ونقـل القـوات المسـلحة مـن نمـوذج "المؤسسـة المنفصلـة" إلى نمـوذج "المؤسسـة المتكاملـة مـع المجتمـع".
وأدت الخدمة الوطنية منذ تطبيقها دورا مزدوجا يتمثل في إعداد عسكري أساسي يرفع الجاهزية، وإعداد وطني يعزز الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي.
وقد أدى هـذا الدمـج بين البعدين العسـكري والوطنـي إلى جعـل الخدمـة الوطنيـة أداة لبنـاء المواطـن الواعـي بـدور الدفـاع، لا مجـرد مجنّـد مؤقـت.
ويعتـبر تأهيـل الكـوادر العسـكرية الوطنيـة، وصـولاً بهـا إلى أعلـى درجـات الكفـاءة القتاليـة، أحـد أهـم أسرار النقـلات النوعيـة المتلاحقة التـي حققتهـا القوات المسـلحة الإماراتية بجميـع أفرعهـا البريـة والبحريـة والجويـة.
وحققـت القـوات المسـلحة إنجـازات عسـكرية مهمـة عـلى طريـق اسـتكمال بنـاء قوتهـا الذاتيـة إلى جانـب قوتهـا الدفاعيـة وذلـك بتخريـج دفعـات متواليـة مـن شـباب الوطـن مـن مختلـف الصـروح الأكاديميـة والمعاهـد التابعـة لهـا.
وعمـدت القـوات المسـلحة إلى إنشـاء المعاهـد والمـدارس والكليـات العسـكرية التـي تقـوم بتدريـب وتأهيـل الشـباب تأهيـلاً عسـكرياً يلائـم متطلبـات العصـر ومسـتجدات الأوضـاع، إضافـة إلى توقيـع اتفاقيـات مـع جامعـات مدنيـة مرموقـة لدعـم العنصـر البـشري.
تطوير يتواصل على مختلف الأصعدة، تؤكد به القوات المسلحة الإماراتية أنها على أتم الاستعداد لمواجهة كافة التهديدات الأمنية التي قد تفرضها تغيرات المشهد الجيوسياسي في المنطقة والعالم.
إنجازات تفوق الحصر
تحل ذكرى توحيد القوات المسلحة في وقت تواصل فيه الإمارات جني ثمار تلك الخطوة التاريخية، بفضل مناخ الأمن والأمان التي وفرته قواتها المسلحة، وتصديها للاعتداءات الإيرانية الإرهابية السافرة.
ونجحت الإمارات في تحويل التحديات التي نتجت عن الهجمات الإيرانية السافرة التي استهدفت البلاد إلى إنجازات في مختلف المجالات.
وخلال فترة الاعتداءات التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، وتتواصل حتى اليوم، حققت دولة الإمارات أكثر من إنجاز يبرز كفاءة مختلف الأجهزة الإماراتية، كما يجسد ثقة العالم في الإمارات وقيادتها ودبلوماسيتها.
إنجازات دبلوماسية وسياسية وإنسانية وعسكرية، ظهرت جلية في حكمة القيادة الإماراتية في التعامل مع الأزمة، والالتفاف الشعبي حولها، والتضامن الدولي الواسع معها، وقدرة القوات المسلحة في صد مختلف الهجمات وإفشالها.
ويذكر أنه خلال فترة الاعتداءات الإيرانية على الإمارات، وحتى اليوم، حققت الإمارات أكثر من إنجاز دولي يجسد ثقة العالم في الإمارات وقيادتها ودبلوماسيتها، كان أبرزها:
• فوز دولة الإمارات باستضافة الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2029.
• نجاح دولة الإمارات في إجراء 5 وساطات خلال 50 يوما، من بينها 4 ترتبط بالأزمة الأوكرانية.
• اختيار دولة الإمارات عضوًا في الفريق الاستشاري لمجلس حقوق الإنسان الأممي.
• اختيار دولة الإمارات لعضوية المجلس الاستشاري التشاوري المعني بالمبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية التابع للأمم المتحدة، في إنجاز نوعي هو الأول على مستوى المنطقة.
• اعتماد الجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي مقترح دولة الإمارات المقدم من وفد المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، لإصدار قرار بعنوان "تعزيز الأمن البحري وحماية البنية التحتية الحيوية في أوقات النزاع: دور البرلمانات في صون الملاحة الدولية والاستقرار الاقتصادي العالمي"، وذلك خلال اجتماعات الجمعية العامة 152 للاتحاد المنعقدة في مدينة إسطنبول، في إنجاز جديد يبرز فاعلية الدبلوماسية البرلمانية الإماراتية في الحفاظ على استقرار الاقتصادي العالمي.
• القبض على «خلية التنظيم الشيعي السري» المدعومة من إيران وتفكيكها وإحباط مخططاتها في 20 أبريل/نيسان الماضي، فيما يعد ثاني تنظيم إرهابي مدعوم من طهران يتم الكشف عنه خلال شهر.
• تحقيق دولة الإمارات المركز الأول عربيا، والمركز الحادي والعشرين عالميًا، في مؤشر السعادة العالمي، وفقًا لتقرير السعادة العالمي لعام 2026، الذي صدر عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، بدعم من بيانات مؤسسة غالوب في مارس/آذار الماضي.
• دخول دولة الإمارات للمرة الأولى في تاريخها قائمة العشرة الكبار عالمياً في صادرات السلع، محتلة المرتبة التاسعة بين أكبر الدول المصدرة للسلع على مستوى العالم، بحسب تقرير "آفاق وإحصاءات التجارة العالمية"، الصادر عن منظمة التجارة العالمية في أبريل/نيسان الماضي.
كما احتفى التقرير بالنمو الاستثنائي في التجارة الخارجية الإجمالية لدولة الإمارات، مشيراً إلى أنها سجلت 6 تريليونات درهم (1.63 تريليون دولار) في 2025، مقارنة مع 5.23 تريليون درهم (1.42 تريليون دولار) في 2024، أي بنمو تقريباً 15%.
وتتضمن هذه الأرقام التجارة الخارجية للدولة من السلع والخدمات متضمنة الصادرات من النفط.
وأشار التقرير إلى أن تجارة الدولة في الخدمات سجلت لأول مرة في تاريخها 1.14 تريليون درهم في عام 2025، علماً بأن تجارة الدولة من السلع غير النفطية كانت قد بلغت 3.8 تريليون درهم في 2025، بزيادة تاريخية سنوية بلغت 27%.