وداعا «سيدة الرقص» التي غنى جسدها لأم كلثوم.. محطات في حياة سهير زكي
رحلت عن عالمنا، السبت، الفنانة القديرة سهير زكي، تاركةً وراءها إرثاً فنياً لم يكن مجرد استعراض للأجساد، بل كان لغةً بصرية وصفتها كوكب الشرق أم كلثوم يوماً بأنها "غناء بالجسد".
لم تكن سهير زكي مجرد راقصة مرت في تاريخ السينما المصرية، بل كانت مؤسسة لمدرسة "السهل الممتنع" في الرقص الشرقي، والشخصية التي استطاعت أن تفرض فنها داخل القصور الرئاسية والمحافل الدولية.
من المنصورة إلى أضواء القاهرة
ولدت سهير زكي في مدينة المنصورة، ولم تتلقَّ تعليماً أكاديمياً في فنون الاستعراض، بل كانت "فطرية" بامتياز.
بدأت شغفها بمراقبة كبار الراقصات عبر شاشات السينما، لكنها سرعان ما طورت أسلوبها الخاص الذي يعتمد على النعومة والدقة في ترجمة النغمات الموسيقية، بعيداً عن الصخب أو الابتذال.
انتقلت إلى القاهرة، وبدأت رحلتها من ملاهي وسط المدينة وصولاً إلى شاشة السينما التي خلدت حضورها في عشرات الأفلام.

المحطة الفاصلة: الرقص على "أنت عمري"
تعتبر الجرأة الفنية أهم سمات سهير زكي؛ فهي أول من تجرأت على تحويل أغاني أم كلثوم إلى لوحات استعراضية. في زمن كان يُنظر فيه إلى أغاني "الست" بقدسية شديدة، اختارت سهير أن ترقص على ألحان "أنت عمري".
تروي الكواليس أن أم كلثوم ذهبت لمشاهدتها وهي محملة بالغضب، لكنها حين رأت كيف تطوع سهير جسدها ليصبح آلة موسيقية ثالثة بجانب الناي والقانون، ابتسمت وقالت جملتها الشهيرة: "كنت ناوية لك على نية سودة، لكن لقيتك بتغني بجد".

أغرب المواقف.. لقب من البيت الأبيض وإعجاب سوفيتي
لم تكن شهرة سهير زكي محلية فحسب، بل ارتبط اسمها بمواقف دولية غريبة. خلال زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون لمصر عام 1974، رقصت سهير في حفل العشاء الرسمي، وبسبب انبهار نيكسون بحركاتها وحماس الجمهور، أطلق عليها لقب "Zagreeta" (زغاريطة)، وهو اللقب الذي لازمها في الصحافة الغربية لفترة.
وفي مفارقة أخرى تعكس حجم تأثيرها، دعاها وزير الدفاع السوفيتي أندري غريتشكو لزيارة موسكو، حيث كان يرى في فنها نوعاً من الفن الشعبي الرفيع الذي يستحق التقدير، وهو موقف نادر الحدوث لراقصة شرقية في ظل نظام سياسي صارم كالنظام السوفيتي آنذاك.

الاعتزال في القمة
في مفاجأة لجمهورها، قررت سهير زكي الاعتزال في مطلع التسعينيات وهي في أوج تألقها الفني.
لم يكن اعتزالها ناتجاً عن ضغوط أو تراجع في المستوى، بل كان قراراً شخصياً نابعاً من رغبتها في الحفاظ على صورتها الذهنية لدى الجمهور كأيقونة للجمال والرشاقة، ولتتفرغ لحياتها الأسرية بجانب زوجها المصور محمد عمارة.
الرحيل الهادئ
برحيلها اليوم، تُطوى صفحة من صفحات الزمن الجميل. سهير زكي التي رقصت في حفلات زفاف أبناء الرؤساء، والتي كانت سفيرة للفن المصري في المحافل الدولية، ترحل بجسدها لكنها تبقى في ذاكرة الفن بوصفها الراقصة التي لم تحتاج إلى بريق الملابس أو صخب الفرقة لتلفت الأنظار، بل كانت تكتفي بهزة كتف تترجم بها أعقد الألحان الموسيقية.