تصعيد فرنسي ضد أمريكا بسبب «ابتزاز» غرينلاند.. أوروبا تعيد ضبط بوصلتها
اعتبر خبراء في الشؤون الدولية والسياسة الأوروبية أن التوتر الأخير بين باريس وواشنطن بشأن غرينلاند يعكس صراعًا أوسع على النفوذ في
القطب الشمالي، ويعيد طرح أسئلة حول السيادة الأوروبية والاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة.
وفي تصريحات حازمة خلال مقابلة مع وسائل إعلام أوروبية السبت الماضي، شدد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو على رفض باريس أي محاولات للسيطرة المباشرة على جزيرة غرينلاند من قبل الولايات المتحدة، واصفًا أساليب الضغط التي تمارسها واشنطن في هذا الملف بأنها "ابتزاز" يجب أن يتوقف فورًا.
وذكر بارو أن غرينلاند "إقليم أوروبي يخضع لحماية الناتو"، مؤكدًا أن أي تدخل عسكري أمريكي سيكون غير مبرر على الإطلاق، رغم تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي ألمح فيها إلى إمكانية استخدام القوة.
وأشار الوزير الفرنسي إلى أن أوروبا تمتلك "وسائل قوية جدًا لحماية مصالحها"، مضيفًا أن بلاده لن تقبل أي تجاوز يطال السيادة الأوروبية أو الديمقراطية المحلية لسكان غرينلاند.
في المقابل، يواصل الرئيس ترامب تصعيده، مشيرًا إلى أن روسيا أو الصين قد تسعى لاحتلال الجزيرة إذا لم تتحرك الولايات المتحدة، مؤكدًا أنه "سيتخذ إجراءات سواء باللين أو القوة".
وأعلنت أحزاب غرينلاند، الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الدنماركية، رفضها للانضمام إلى أمريكا. وفي إعلان مشترك، قال قادة الأحزاب الخمسة في البرلمان المحلي: "لا نريد أن نكون أمريكيين ولا نريد أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون غرينلانديين".
ترتيب الأولويات
بدروه، قال أستاذ العلاقات الدولية الفرنسي، ونائب مدير معهد بحوث السلام في جنيف الدكتور جيل إيمانويل جاكيه لـ"العين الإخبارية" إن موقف فرنسا يعكس إعادة ترتيب أولويات السياسة الأوروبية في مواجهة التوسع الأمريكي في القطب الشمالي، مع مراعاة الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية. ويشرح هالبرين أن فرنسا ترى في غرينلاند "حافة أوروبية حيوية " ليس فقط لموقعها الجغرافي، بل أيضًا لمواردها الطبيعية المتزايدة الأهمية مع ذوبان الجليد.
وأضاف: "ما يقوم به ترامب من محاولة الضغط على الدنمارك والضغط على أوروبا يمكن اعتباره استعراض قوة، لكنه يفتح بابًا للتساؤل حول قدرة الاتحاد الأوروبي على حماية مصالحه المشتركة". وتابع "فرنسا تتصرف ليس فقط لحماية سيادتها، بل لتأكيد دورها كفاعل رئيسي ضمن الناتو ولضمان أن أي استغلال للموارد في القطب الشمالي يتم عبر إطار متعدد الأطراف، وليس عبر ضغوط أحادية".
وأكد جاكيه أن باريس تعتمد على استخدام الأدوات الدبلوماسية والتحذيرات العامة للرد على التهديدات، وهي استراتيجية تهدف لإظهار القوة الرمزية أكثر من القوة العسكرية، حيث تؤكد فرنسا أنها لن تتردد في اللجوء إلى حلفائها الأوروبيين لمواجهة أي تجاوزات.
رسالة سياسية
بدوره، قال ألكسندر كليمون، الباحث في السياسة الأمريكية والعلاقات عبر الأطلسي في مركز بروكسل للأبحاث الاستراتيجية لـ"العين الإخبارية" إن ترامب يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية محلية من خلال رفع وتيرة التصريحات، في إطار تعزيز صورته كقائد حازم أمام الناخبين.
وأشار إلى أن فرنسا تدرك جيدًا أن التهديد العسكري الأمريكي ضعيف عمليًا، وأن التحرك الفرنسي يأتي في سياق الحفاظ على مكانة الاتحاد الأوروبي والدفاع عن مبادئ السيادة والديمقراطية.
وتابع: "الموقف الفرنسي متماسك، فهو يجمع بين الحزم الدبلوماسي والتذكير بالالتزامات الدولية مثل حماية الناتو، وفي الوقت نفسه يحاول إرسال رسالة واضحة لسكان غرينلاند بأن أوروبا تراعي مصالحهم وتدعم حقهم في تقرير مستقبلهم بنفسهم".
وأضاف "فرنسا تعرف أن أي استجابة عسكرية مباشرة ليست مطروحة، لكن الرسائل السياسية والدبلوماسية يجب أن تكون قوية لتثبيت مصالح أوروبا في المنطقة".
وتابع كليمون "هذا الحدث يعكس تحولًا أوسع في السياسة الدولية حيث أصبح القطب الشمالي ساحة للصراعات الرمزية والاقتصادية بين القوى الكبرى"، مشددًا على أن دور فرنسا يتمثل في حماية النفوذ الأوروبي ومنع أي تفرد أمريكي على حساب سيادة الشعوب المحلية.
وأشار إلى أنه تاريخيًا، كانت غرينلاند مستعمرة دنماركية حتى 1953، وحققت حكمًا ذاتيًا بعد 26 عامًا، بينما تمنح اتفاقية الدفاع بين الولايات المتحدة والدنمارك منذ 1951 القوات الأمريكية حرية شبه كاملة في العمليات على الجزيرة بعد إعلام السلطات المحلية.