التاريخ المنسي تحت الجليد.. إرث الهيمنة الأمريكية في غرينلاند

لطالما كانت غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، أرضًا نائية قاسية المناخ، لكنها لم تكن يومًا بمنأى عن الصراعات الجيوسياسية.
فمنذ قرون، تنافست القوى الأوروبية، وعلى رأسها الدنمارك، على بسط نفوذها فوق هذه الأرض القطبية، التي ظلت ذات أهمية استراتيجية رغم قلة سكانها.
لم يكن التوسع الأمريكي في غرينلاند مجرد خطوة عسكرية بحتة، بل جاء على حساب السكان الأصليين الإينويت، الذين تعرضوا للتهجير القسري وإعادة التوطين، مما أدى إلى تمزيق مجتمعاتهم التقليدية. في الوقت ذاته، جرت في الخفاء عمليات عسكرية وأبحاث نووية سرية، بعضها ما زالت تداعياته البيئية قائمة حتى اليوم.
- ترامب يكشف سر تمسكه بـ«غرينلاند».. وفانس يغري سكانها
- «سينشري».. تعرف إلى قاعدة أمريكا السرية في غرينلاند
وبينما ظل الوجود الأمريكي في الجزيرة يتغير مع تبدل أولويات السياسة العالمية، فإن إرثه لا يزال حاضرًا في ذاكرة سكانها، الذين ينظرون إلى القواعد المهجورة والجليد الملوث كمخلفات استعمار جديد، فرض عليهم باسم الأمن القومي الأمريكي.
تهجير الحرب الباردة
في ذروة الحرب الباردة، تلقى سكان قرية أوماناق النائية في غرينلاند إنذارًا مفاجئًا: إخلاء منازلهم خلال أربعة أيام فقط.
لم يكن أمام 116 شخصًا، عاشوا لقرون في هذه البقعة القطبية الواقعة على بعد 700 ميل شمال الدائرة القطبية الشمالية، سوى حزم أمتعتهم القليلة وترك الأرض التي دُفن فيها أسلافهم، وذلك بعد أن قررت الولايات المتحدة توسيع قاعدة «ثول» الجوية لتكون حاجزًا ضد الصواريخ السوفياتية.
وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، حمل السكان معهم ذكريات الماضي، وانطلقوا بزلاجات الكلاب عبر الجليد القاسي إلى شبه جزيرة صخرية مهجورة، حيث قضوا أشهرًا في الخيام بانتظار بناء بلدتهم الجديدة كآنك، التي تحوّلت مع مرور الزمن إلى رمز للتهجير القسري.
وتقول توكو أوشيما، إحدى قادة المجتمع في كآنك، بنبرة يملؤها الحنين والأسى: «الألم لا يغادر قلوب من عاشوا تلك الأيام.. لقد جُردنا من جذورنا بلمح البصر».
وجود في ظل الاستعمار
لم تكن أوماناق سوى إحدى حلقات سلسلة طويلة من الوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند، التي كانت آنذاك تحت الحكم الاستعماري الدنماركي.
وخلال العقود التالية، بنت الولايات المتحدة أكثر من 12 منشأة عسكرية في هذه الجزيرة الشاسعة، تحت ذريعة حماية «العالم الحر» من التهديد السوفياتي. بعض هذه القواعد، مثل مطار كانجرلوسواك، تحوّلت لاحقًا إلى بنية تحتية مدنية بعد أن حصلت غرينلاند على الحكم الذاتي من الدنمارك عام 1979.
لكن الباحث أولريك برام غاد يشير إلى تناقض دائم في الذاكرة الجمعية للغرينلانديين، قائلًا: «يرون في أمريكا جسرًا نحو الحداثة، لكنهم في الوقت نفسه يعتبرونها قوة استعمارية جديدة تنتهك سيادتهم».
مشاريع سرية تحت الجليد
خلف أسوار هذه القواعد العسكرية، خُطِّط لبعض أخطر المشاريع السرية الأمريكية. ففي قاعدة «ثول» (المعروفة اليوم باسم «بيتوفيك»)، أُطلق مشروع «آيس وورم» عام 1960، بهدف بناء شبكة من الأنفاق النووية تحت الغطاء الجليدي، لتخزين صواريخ متوسطة المدى.
ورغم فشل المشروع بسبب عدم استقرار الجليد، تكشفت لاحقًا تفاصيل صادمة: فقد تم تنفيذ العمليات دون إخطار الدنمارك، التي كانت تحظر وجود أسلحة نووية على أراضيها.
وبعد قرابة عقد، في يناير/كانون الثاني 1968، تحطمت قاذفة قنابل أمريكية من طراز «بي-52» بالقرب من القاعدة، ما أدى إلى تسرب البلوتونيوم المشع في الجليد، تاركًا تلوثًا إشعاعيًا لا تزال آثاره تُكتشف في الكائنات البحرية حتى اليوم.
وتؤكد دراسات حديثة أن ذوبان الجليد المتسارع بفعل الاحتباس الحراري قد يؤدي إلى إطلاق مواد كيميائية سامة خلفها المشروع، ما يشكل تهديدًا للنظام البيئي الهش في المنطقة.
جراح لم تلتئم
حاليًا، تلعب قاعدة «بيتوفيك» دورًا محوريًا في شبكة الدفاع الصاروخي الأمريكي، حيث يتمركز فيها نحو 150 عسكريًا بشكل دائم. لكن في المقابل، لا يزال سكان كآنك يعانون من تداعيات التهجير.
ورغم إعادة أراضي أوماناق إلى حكومة غرينلاند عام 2002، إلا أن المنازل القديمة أُحرقت عمدًا، ومُنع السكان من العودة أو ممارسة الصيد في مناطق أسلافهم.
ويقول أدولف سيميجاق، نائب رئيس اتحاد الصيادين، الذي وُلد لأبوين مُهجَّرين: «الأجيال الجديدة تسمع حكايات عن أرض كانت مليئة بثروات البحر، أما الآن فنعيش على هامش القاعدة، نراقب طائراتهم تحلق حيث كان أجدادنا يصطادون».
من جهتها، حاولت الدنمارك ترميم العلاقات عبر تقديم تعويض رمزي قدره 100 ألف دولار، لكن الناشطين يطالبون بالمزيد.
ويصرح أحد قادة الحركات البيئية المحلية: «التعويض الحقيقي هو إزالة القواعد المهجورة، ووقف استخدام أرضنا كرقعة شطرنج جيوسياسية».
aXA6IDEzLjU5LjIyLjE1MyA= جزيرة ام اند امز