مع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الثالث، تتزايد المؤشرات على احتمال تحول الصراع من نمط الضربات الجوية إلى مرحلة أكثر تعقيداً قد تشمل تدخلاً برياً.
ففي حين شكّلت الغارات الجوية الأمريكية العمود الفقري للعمليات حتى الآن، تعكس التصريحات المتبادلة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجهاً نحو إعادة تقييم طبيعة المواجهة، مع تزايد الحديث عن ضرورة وجود "عنصر بري" لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع.
ترامب بين "المهمة القصيرة" وإغلاق المضيق
بدأ ترامب توصيف العمليات العسكرية باعتبارها "مهمة قصيرة" ستنتهي سريعاً، قبل أن يعلن بعد أيام أنها "مكتملة إلى حد كبير"، زاعما لاحقاً تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية وتقويض برامج الطائرات المسيّرة، بحسب مجلة نيوزويك.
غير أن المعطيات الميدانية تُظهر صورة مغايرة، إذ لا يزال مضيق هرمز مغلقاً فعلياً، ما تسبب في اضطرابات حادة بأسواق الطاقة العالمية. وزادت الضربات الإيرانية الأخيرة على منشآت نفطية حيوية من حدة القلق، بعدما أثّرت على إمدادات الغاز الطبيعي المسال والنفط، ما يعكس قدرة طهران المستمرة على الرد والتصعيد.
بوادر تحول نحو الخيار البري
مع استمرار العمليات دون حسم، بدأت واشنطن تدرس خيار التدخل البري، الذي كان يُنظر إليه في البداية كخيار مستبعد، خاصة في ظل تعهدات ترامب بعدم تكرار سيناريوهات العراق وأفغانستان.

إلا أن التحركات العسكرية الأخيرة تعكس استعداداً تدريجياً لهذا الاحتمال، مع توجه حاملة الطائرات البرمائية "يو إس إس طرابلس" إلى الخليج وعلى متنها نحو 2200 جندي من مشاة البحرية، إلى جانب مغادرة مجموعة برمائية أخرى من الساحل الأمريكي.
في هذا السياق، عززت تصريحات نتنياهو التي أكد فيها أن "التغيير لا يمكن أن يتم من الجو فقط" من فرضية انتقال العمليات إلى مرحلة برية.
جزيرة خارك: شريان الحياة الإيراني
تتصدر جزيرة خارك قائمة الأهداف المحتملة لأي تدخل بري، نظراً لأهميتها الحيوية كمنشأة تصدير نفطي رئيسية لإيران. تقع الجزيرة على بعد نحو 25 كيلومتراً من الساحل الإيراني، وتضم بنية تحتية متكاملة لنقل وتخزين النفط، وتحظى بحماية مشددة من الحرس الثوري.
وبعد استهداف الدفاعات الجوية المحيطة بها، تبدو الظروف مهيأة نظرياً لعملية إنزال برمائية، رغم أن السيطرة عليها، على صغر مساحتها، قد تتطلب قوة عسكرية مضاعفة مقارنة بما هو منتشر حالياً. وتمثل هذه الخطوة، في حال تنفيذها، مكسباً استراتيجياً مزدوجاً يتمثل في حماية منشأة حيوية ومنح واشنطن ورقة ضغط تفاوضية لإعادة فتح المضيق.
الجزر الثلاث: نقطة الاختناق الاستراتيجية
تُعد جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى من بين الأهداف ذات الأهمية الاستراتيجية، نظراً لموقعها الحساس عند مدخل المضيق واستخدامها كقواعد عسكرية إيرانية.
ويرى محللون أن السيطرة على هذه الجزر، وربما توسيع العمليات لتشمل جزيرة قشم القريبة، قد تسهم في تقويض القدرة الإيرانية على التحكم في الملاحة، لكنها لن تكون كافية وحدها لإنهاء التهديد، في ظل الانتشار العسكري الإيراني الواسع على طول الساحل.
الخيارات العسكرية المتاحة
تشمل الخيارات المطروحة تنفيذ غارات بحرية تستهدف البنية العسكرية الإيرانية على الساحل، بما في ذلك الزوارق السريعة ومخازن الطائرات المسيّرة ومنصات الصواريخ وقدرات زرع الألغام.
كما يمكن تنفيذ عمليات إنزال محدودة باستخدام طائرات "أوسبري" لإنشاء قواعد أمامية تُستخدم لشن هجمات دقيقة. غير أن هذه العمليات تنطوي على مخاطر كبيرة، خاصة مع تعقيد التضاريس الساحلية والتحصينات الدفاعية الإيرانية.
السيطرة على المناطق الساحلية
يُطرح أيضاً سيناريو التوغل المحدود في المناطق الساحلية لتأمين الملاحة في المضيق، إلا أن هذا الخيار يتطلب قوة عسكرية أكبر بكثير من تلك المنتشرة حالياً.

ويحذر محللون من أن أي محاولة للسيطرة الواسعة قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة، إذ إن تأمين المنطقة المحيطة بالمضيق قد يتطلب نشر مئات الآلاف من الجنود. كما جرى تشبيه مثل هذه العملية بمخاطر حملات عسكرية تاريخية فاشلة، ما يعكس حجم التحديات التي قد تواجهها القوات الأمريكية.
جبهة جديدة في الشمال
ضمن السيناريوهات المطروحة أيضاً فتح جبهة شمالية عبر دعم جماعات كردية داخل إيران أو انطلاقاً من إقليم كردستان العراق.
غير أن هذا الخيار يواجه تحفظات واضحة، في ظل محدودية قدرات هذه الجماعات وترددها في الانخراط في مواجهة مفتوحة دون ضمانات دعم أمريكي واسع، ما يقلل من فرص نجاح هذا السيناريو في المدى القريب.
تحديات غير محسومة
رغم تعدد الخيارات، يتفق محللون على أن أياً من هذه السيناريوهات لا يضمن إنهاء الصراع بشكل حاسم، ما لم يتطور إلى مستوى أوسع قد يشمل تغيير النظام في طهران، وهو هدف ينطوي على مخاطر استراتيجية كبرى.
ويحذر خبراء من أن إيران لا تزال تمتلك أدوات تصعيد مؤثرة، بما في ذلك استهداف منشآت طاقة إقليمية، ما يجعل كلفة أي تدخل بري غير قابلة للتقدير بدقة. وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الخيارات الأمريكية مفتوحة بين تدخل محدود الأهداف أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع، في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.