منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عام 1980 أن أي محاولة للسيطرة على منطقة الخليج ستُعد تهديداً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، أصبح الخليج أكثر من مجرد منطقة لإنتاج الطاقة؛ فقد تحول إلى نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الدولي.
وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، ما زال مضيق هرمز حاضراً في الحسابات الاستراتيجية الكبرى، لكن السؤال الأهم: هل ما زال مبدأ كارتر يحكم السياسة الأمريكية تجاه الخليج، أم أن واشنطن أعادت صياغة أدواتها للحفاظ على نفوذها؟
مبدأ كارتر والخليج: عقيدة استراتيجية لم تنتهِ
تذهب الدراسات الدولية إلى أن أمن الطاقة والأهمية الاستراتيجية للخليج ارتبطا بالأمن القومي الأمريكي عندما تجاوزت أهمية المنطقة حدود الصراع الأيديولوجي في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولا سيما بعد حرب أكتوبر 1973. فمنطقة الخليج، بدولها الثماني، تمثل جغرافياً عالمية للطاقة، ويُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن مبدأ كارتر، الذي ربط أمن الخليج بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، ما زال يعكس الأهمية الاستراتيجية للخليج على المستوى الدولي.
البعد التاريخي لإعلان مبدأ كارتر
جاء إعلان مبدأ كارتر في أعقاب تحولات استراتيجية عميقة شهدتها المنطقة، كان أبرزها سقوط نظام الشاه، الذي مثّل لعقود الركيزة الأساسية للاستراتيجية الأمريكية في الخليج، إلى جانب التدخل السوفيتي في أفغانستان. وفي ظل هذه التطورات، أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، في خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس بتاريخ 23 يناير/كانون الثاني 1980، ما أصبح يُعرف بـ مبدأ كارتر، الذي ربط أمن الخليج بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية.
وقد شكّل هذا الإعلان تحولاً في الاستراتيجية الأمريكية، إذ انتقلت واشنطن من سياسة الاعتماد على الحلفاء الإقليميين إلى الالتزام المباشر بحماية الخليج. وتُرجم ذلك عملياً بإنشاء قوات الانتشار السريع، التي تطورت لاحقاً إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي، وتوسيع الشراكات الدفاعية مع دول مجلس التعاون الخليجي.
وعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر 1980، ثم تطورت إلى حرب الناقلات خلال الثمانينيات، وجد مبدأ كارتر أول اختبار عملي له، حيث تدخلت الولايات المتحدة لحماية الملاحة الدولية، وأعادت تسجيل ناقلات النفط الكويتية تحت العلم الأمريكي، ووفرت لها مرافقة بحرية، لترسخ بذلك مبدأ أن أمن الخليج وحرية الملاحة يمثلان مصلحة استراتيجية أمريكية لا يمكن التهاون فيها.
كما أكدت حرب الخليج الثانية عقب العدوان العراقي على الكويت عام 1990 المكانة الاستراتيجية التي تحتلها المنطقة في المصالح الأمريكية والدولية، فضلاً عن أهمية الدفاع عن سيادة الدول واستقرار النظام الإقليمي.
الواقع الحالي
تشهد المنطقة مرحلة عالية من التهديدات والتوترات الأمنية الناتجة عن سياسات النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية في العراق ولبنان واليمن، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة قضية حرية الملاحة باعتبارها مسألة أمن دولي، لا مجرد نزاع إقليمي، ناهيك عن أهمية سيادة الدول والاختراق المذهبي الشيعي الإيراني. كما أن البيئة الاستراتيجية الحالية أصبحت أكثر تعقيداً، في ظل استمرار التنافس الدولي والإقليمي، وتزايد أهمية أمن سلاسل الإمداد العالمية. وفي المقابل، أصبحت دول الخليج تمتلك قدرات دفاعية وعسكرية متقدمة، وتسعى إلى لعب دور أكبر في حماية أمنها الإقليمي، مع استمرار الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
قد لا تعلن واشنطن رسمياً أنها تطبق مبدأ كارتر، إلا أن سلوكها الاستراتيجي يعكس استمرار جوهره. فالولايات المتحدة لا تبدو مستعدة للسماح بتحول مضيق هرمز إلى نقطة اختناق يمكن من خلالها تهديد الاقتصاد العالمي أو استخدام الطاقة أداةً للضغط السياسي.
غير أن تطبيق المبدأ اليوم يختلف عن تطبيقه قبل أربعة عقود؛ فبدلاً من الاعتماد على التدخل الأمريكي المنفرد، سوف تتجه واشنطن إلى بناء منظومة ردع جماعية تقوم على الشراكات الدفاعية، والوجود البحري المتقدم، والتعاون الاستخباراتي، واستخدام القوة عند الضرورة لضمان بقاء الممرات البحرية مفتوحة.
ما مستقبل منطقة الخليج ومضيق هرمز؟
لا تستطيع إيران هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، لكنها تمتلك أدوات تجعل أي مواجهة معها مكلفة، من خلال تعطيل الملاحة، وتهديد البنية الأساسية لدول الجوار، واستخدام وسائل غير تقليدية مثل الألغام البحرية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الساحلية، والهجمات على السفن التجارية. وفي المقابل، تمتلك واشنطن قدرات عسكرية متفوقة ومدمرة تمكنها من توجيه ضربات واسعة أو إنهاء قدرات النظام الإيراني، إلا أن أي خيار عسكري واسع يحمل تداعيات إقليمية ودولية كبيرة.
ويرى بعض الخبراء العسكريين الأمريكيين أن طبيعة مضيق هرمز تفرض تحديات كبيرة، نظراً لكونه ممراً بحرياً ضيقاً، وارتفاع السواحل الإيرانية نسبياً، وكثافة الملاحة التجارية، وصعوبة التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، فضلاً عن احتمال وجود ألغام وصواريخ مخفية. لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس إنزالاً برياً واسعاً، بل عمليات بحرية وجوية تدريجية لتأمين الممر، مع مراهنة بعض السيناريوهات على حدوث تغيرات داخلية في إيران وإسقاط النظام مع تحريك الشعب الإيراني في ذلك.
ومن المحتمل أن تسعى واشنطن إلى تعزيز وجودها في مداخل ومخارج المضيق بالتنسيق مع حلفائها، وهنا تبرز شبه جزيرة مسندم بوصفها موقعاً جغرافياً حاسماً لإشرافها المباشر على الممر البحري الرئيسي، إلى جانب أهمية الجزر الواقعة عند مدخل الخليج.
فكرة المقالة تقول، إذا كان مبدأ كارتر قد تطور لاحقاً إلى إنشاء القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، فإن استمرار التوترات في الخليج سيبقي جوهر هذا المبدأ حاضراً، حتى وإن تغيرت أدوات تطبيقه. فواشنطن قد لا تعتمد اليوم على التدخل المنفرد كما كان الحال سابقاً، لكنها ما زالت ترى أن أمن الخليج وحرية الملاحة واستقرار تدفقات الطاقة تمثل مصالح استراتيجية لا يمكن التخلي عنها. ولهذا، فإن مستقبل الخليج سيظل مرتبطاً بقدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة التنافس، ومنع تحول مضيق هرمز من شريان للتجارة العالمية إلى نقطة تهديد وصراع مفتوحة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة